محمد الصفدي… هدوء سياسي يختزن ثورة

ليس جديداً على محمد الصفدي تعاطي تيار المستقبل معه بـ”أنانية سياسية”، فالرجل الذي ساهم أكثر من مرة في إعادة ترميم وتأهيل “القلعة الزرقاء” في طرابلس، تعرض على مدار حياته السياسية الممتدة لعشرين سنة خلت، لسلسلة محاولات تدجين وإضعاف لكنه في كل مرة كان يواجه ليخرج أقوى إرادة وأصلب عزيمة.

قد يرتاح محمد الصفدي لكنه لا يستكين سياسياً، ففي الوقت الذي ظن كثيرون أنه يتجه للتقاعد السياسي بعد عزوفه عن الترشيح للانتخابات النيابية في العام 2018 واتخاذه قراراً تاريخياً بدعم لائحة تيار المستقبل التي أثبتت كل الوقائع حاجتها لهذا الدعم الذي ساهم في تحسين تمثيلها طرابلسياً، أطل الصفدي في الزمن الأصعب من تاريخ لبنان كمنقذ حقيقي قادر على السير بالبلد الى بر الأمان، وذلك من خلال طرح إسمه لرئاسة الحكومة بالتوافق بين التيارات السياسية المعنية التي فوجئت بتراجع الرئيس سعد الحريري عن الالتزامات التي قدمها لتسهيل مهمة الصفدي، ليتبين بعد ذلك أن الحريري يريد رئاسة الحكومة لنفسه لكن بعد المناورة ببعض الأسماء للوصول الى مبتغاه.

أدرك الصفدي ما يحاك له وهو الخبير بطموحات البعض وشهوتهم الى الحكم، فسارع الى الاعتذار عن قبول التكليف برئاسة الحكومة، وحرص على إسكات بعض الأصوات التي حاولت النيل منه عبر اتهامه بالفساد في بعض الملفات ومن بينها مشروع “الزيتونة باي” حيث وضع نفسه بتصرف المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم متمنياً عليه القيام بما يلزم لإظهار الحقائق ووقف بعض ألسنة السوء التي تحاول النيل منه، لينجح بذلك الصفدي في طي ملف كان يراد منه إحراقه سياسياً وشعبياً، وفي مواجهة عاصفة جديدة من العواصف الكثيرة التي واجهها وتمكن من صدّها خلال حياته السياسية.

لطالما حمل الصفدي طموحات ظن أن ترجمتها ستكون سهلة، قبل أن يصطدم بواقع ووقائع أصابته بالإحباط مراراً وتكراراً، فمنذ دخوله معترك السياسية في العام 2000 سعى بجهد حثيث الى فتح أبواب طرابلس تمهيداً لعبور التنمية إليها، لكن الصراعات والتجاذبات والمماحكات واللعبة السياسية الداخلية والسباق الى السلطة عبر استخدام عاصمة الشمال كان يشكل حاجزاً يصعب تجاوزه، لذلك قرر الصفدي أن يخوض معركة التنمية كما يراها من وجهة نظره الخاصة.

وراء سلوكه “المخملي” وهدوئه عناد قلّ نظيرُه

يدرك عارفو محمد الصفدي أنه يخفي وراء سلوكه السياسي “المخملي” وهدوئه وإبتساماته عناداً قلّ نظيره، ورغبة جامحة في المواجهة لتصويب المسار ولتحقيق المصالح الوطنية، كما يختزن ثورة ربما سبقت قبل عقدين من الزمن ثورة 17 تشرين الأول برفع الصوت للانقلاب على الفساد والمحسوبيات والسمسرات، والسعي لإنصاف طرابلس وإزالة صفة الحرمان عنها وإيجاد فرص العمل لأبنائها، حيث أطلق شعار “ثورتنا عقلنا” وترجمه على أرض الواقع من خلال مؤسسة الصفدي التي نظمت مؤتمرات عدة بعناوين مختلفة، وورش عمل إجتماعية وصحية وتربوية وأكاديمية أفضت الى التوصية بإنشاء المبنى الجامعي الموحد الذي بالرغم من كل الصعوبات التي واجهته أبصر النور وبدأ يستقبل طلاب الجامعة اللبنانية تباعاً.

تابع الصفدي تطلعاته نحو أن تكون طرابلس مدينة جاذبة ومميزة، فأنشأ مركز الصفدي الثقافي الذي شكل منارة بلغ قطر إشعاعها مساحة الوطن، واحتضنت مراكز أوروبية عدة ساهمت بشكل غير مباشر في كسر الحظر الذي كان مفروضاً على الفيحاء، كما نشر مراكز تعليم الكومبيوتر واللغة الإنكليزية في كل مناطق طرابلس والجوار، بهدف محاكاة التطور والتكنولوجيا ومحو الأمية المعلوماتية، وأتبع ذلك بحلم شبابي تمثل بـ”نادي المتحد” الذي أعطى طرابلس هوية سلوية وخلق عصبية جماهيرية وترك بصمات إيجابية لا تمحى على الصعد المحلية والعربية والآسيوية، كما لم يتوان الصفدي عن الوقوف الى جانب أبناء طرابلس إنسانياً وإجتماعياً وصحياً وتربوياً وأكاديمياً.

قدم أول إقتراح مشروع قانون إنتخابي على أساس النسبية

لم يمارس محمد الصفدي السياسة على أنها حلبة صراع وتنافس على تحقيق المكاسب، بل أعطاها معنى جديداً وترجمها في جمع الكلمة وتوحيد الصف وتأمين الخدمة العامة، فالرجل الذي حط رحاله في العام 2000 في طرابلس بعد رحلات عمل طويلة تنقل فيها بين بريطانيا والسعودية وعدة بلدان أخرى، مارس السياسة بأخلاق ورقيّ، وأسس تياراً شعبياً قاده بنجاح إبن شقيقه أحمد الصفدي الذي عمل على تأطيره وتنظيمه والاستفادة منه في كل الاستحقاقات التي كانت شاهدة على ماكينة إنتخابية منظمة ذاع صيتها في لبنان ككل.

بعد الانتخابات النيابية التي أعطت الصفدي تمثيلاً قوياً لطرابلس، شكل الى جانب النائبين محمد كبارة والراحل موريس فاضل التكتل الطرابلسي الذي لعب دوراً محورياً على مساحة الوطن ككل، لكن الصفدي كان لديه طموح أكبر لجهة توحيد الجهود الطرابلسية لإعطاء المدينة ثقلاً سياسياً أكبر، فبادر الى نسج تحالف بين التكتل الطرابلسي والرئيس الراحل عمر كرامي حمل إسم “اللقاء الطرابلسي”، لكن هذه التجربة لم يكتب لها الحياة وسرعان ما انفض هذا التحالف، ليستمر التكتل في مسيرة سياسية إتسمت بالنضوج التدريجي، خصوصاً أنه قدم أول إقتراح مشروع قانون إنتخابي على أساس النسبية العام 2003، ووضع في أدراج النسيان.

لا الترغيب دجّنه… ولا الترهيب كسره

تعرض محمد الصفدي في مسيرته السياسية على مدار 20 عاماً لشتى أنواع الترغيب والترهيب، فلا الأول دجّنه، ولا الثاني كسره، بل بقي محافظاً على خصوصيته وإستقلاليته رافضاً منطق التبعية أو الذوبان في أي تيار سياسي مهما علا شأنه أو تحت جناح أي زعيم أو مرجعية، وقد دفع ثمن ذلك إستهدافاً وإستفراداً من الحلفاء قبل الخصوم، لكنه بقي صامداً وتعاطى مع الجميع بمنطق الندية التي ترجمت في علاقات متوازنة.

كان لمحمد الصفدي اليد الطولى بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في تأسيس قوى 14 آذار، إقتناعا منه بالمبادئ والثوابت والأفكار التي نادت بها، وهو كان مارسها وترجمها منذ دخوله معترك الساسية وفي ظل الوجود السوري في لبنان ودفع ثمن ذلك محاولات تضييق وإضعاف واجهها آنذاك بشجاعة.

ساهمت 14 آذار في توحيد جهود الكثير من الأفرقاء السياسيين، وشكلت فرصة لنسج تحالف بين محمد الصفدي وتيار المستقبل لكن هذا التحالف كان يتأرجح بين التفاهم والخلاف، إنطلاقاً من التباين بين الطرفين حول النظرة إليه.

كان الصفدي يطمح الى شراكة سياسية مع المستقبل يتمكن خلالها من خدمة مدينته وأهله، وهو في هذا الإطار أعطى التيار الأزرق ما لم يعطه له أحد من الحلفاء، سواء على صعيد تحريك الشارع الطرابلسي والشمالي دعماً لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة المحاصر في السراي الكبير من قوى 8 آذار، أو باعتماده على ماله الخاص في تمويل مسيرات ومهرجانات 14 شباط و14 آذار عندما كانت تجتاح الشوارع والساحات، كما أعطى الصفدي الحريري شرعية طرابلسية في إنتخابات عام 2005 عندما تحالف معه كزعامة محلية كان ابن الشهيد رفيق الحريري بأمس الحاجة إليها، حيث حرص على زيارة الصفدي في منزله مؤكداً على متانة التحالف معه.

إيجابيات الصفدي ظنها المستقبل ضعفاً، فسعى الى إلباسه “العباءة الزرقاء” وباشر بمحاولات حثيثة لتطويعه والقضاء على تمايزه، ما أدى الى “انتفاضة صفدية” ساهمت بنشوء حالة صدام غير معلنة بين الطرفين.

استهداف الصفدي لم يزدْ ه إلا إصراراً على إستقلاليته

مهدت إنتخابات العام 2005 الى فتح الباب أمام الصفدي لنيل لقب معالي الوزير للمرة الأولى، وذلك بتعيينه وزيراً للأشغال العامة والنقل في حكومة فؤاد السنيورة، ومن ثم كوزير للاقتصاد في حكومة السنيورة الثانية، حيث عاد وتسلم هذه الوزارة في حكومة الحريري الأولى، ومنذ ذلك الحين والصفدي يخوض معركة التمايز عن المستقبل الذي كان يطمح وما يزال لاحتكار القرار السياسي ضمن الطائفة السنية، ولم يرق له وجود وزير سني له خصوصية قد تتعارض مع توجهاته، فكان القرار الأزرق بمحاصرة الصفدي في الحكومات الثلاث بعدم صرف الاعتمادات التي يحتاجها للقيام ببعض المشاريع في مدينته لا سيما خلال توليه وزارة الأشغال العامة والنقل، وجسر البحصاص أكبر دليل على ذلك، لكن الاستهداف لم يزد الصفدي إلا إصراراً على إستقلاليته التي ترجمها في مؤتمر “سان كلو” حيث رفض إنتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائداً واحداً وكان لموقفه أثر إيجابي في تجنيب لبنان حرباً أهلية جديدة، لكن حرباً زرقاء شنت على الصفدي بسبب موقفه، ورفعت اليافطات “الزرقاء التي تقول بأن الصفدي هو عميل إسرائيلي وكان ثمنها فرط عقد التكتل الطرابلسي بالترغيب والترهيب.

واجه الصفدي حرب المستقبل بروح رياضية ونجح في تلقفها، وفي رفع منسوب تمايزه عنه، فرفض مرشح المستقبل كاظم صالح الخير، وأصر أن يكون المرشح لملء المقعد الشاغر في المنية واحد من أفراد عائلة النائب الراحل هاشم علم الدين، فضلاً عن تباينه في كثير من المواقف التي أدت الى تصعيد الخلاف بين الصفدي والمستقبل.

كان الصفدي يحاول الفصل بين المستقبل كحزب وبين الرئيس الحريري كصديق يحرص على علاقة متوازنة معه وعلى أن يسدي له النصائح وكان أبرزها في الدوحة عندما طلب من الحريري عدم القبول بإعطاء قوى 8 آذار الثلث المعطل، لكنه لم يستمع إليه ودفع الحريري ثمن ذلك غالياً عندما أطاح هذا الثلث بحكومته بينما كان يستعد للدخول الى البيت الأبيض للاجتماع بالرئيس الأميركي.

باقٍ على تمايزه ورفضه أن يكون ملحقاً بأحد

لم يكن لدى الصفدي أي حرج في أنه يسعى الى الحصول على لقب دولة الرئيس، خصوصاً أن الرجل الذي حصد المراكز الأولى في الانتخابات النيابية، يمتلك كل الصفات والمواصفات والمزايا التي تجعل منه رئيس حكومة ناجح قادر على قيادة السفينة، وهو كان صارح الرئيس سعد الحريري بعد إسقاط حكومته في العام 2011 بأن الظرف السياسي ليس لمصلحته ما يستدعي تنحيه وإبتعاده قليلاً عن المشهد خصوصاً أن التوترات بلغت مستوى خطيراً في الشارع، لكن الحريري أيضاً لم يستمع لنصيحته، فسارع الصفدي الى تغليب المصلحة الوطنية على كل الإغراءات الأخرى وقرر دعم الرئيس نجيب ميقاتي بناء على قناعته بأن إصرار الرئيس الحريري على عودته الى سدة الرئاسة قد يشعل فتنة مذهبية بين السنة والشيعة. ودخل حكومة ميقاتي وزيراً سيادياً للمالية وكانت القطيعة الشهيرة بينه وبين تيار المستقبل الذي نظم يوم الغضب في طرابلس وحاول أنصاره إحراق مكتبه للخدمات الاجتماعية، كما واجه الصفدي بفعل قراره حصاراً محلياً وعربياً ألحق أضراراً كبيرة بمصالحه في الخارج، لكنه بقي ثابتاً على موقفه، وهو درء الفتنة السنية- الشيعية..

لم يتبدل الصفدي بعد قطيعته مع المستقبل ودخول حكومة الرئيس ميقاتي، حيث بقي على تمايزه ورفضه أن يكون ملحقاً بأحد، ما قاده الى خلافات مع رئيس الحكومة خصوصاً أن الصفدي كان يريد أن يعطي طرابلس حصتها الشرعية ودوراً طالما غاب عن طرابلس ألا وهو جودها في إدارة الدولة، ولكن مع الأسف ومع كل الاتفاقات التي تمت مع الرئيس ميقاتي حول تنمية طرابلس وإعطاء الدور السياسي الذي هو حق لها لم ينفذ أي من هذه الأمور على صعيد المدينة. وخرج من هذه التجربة على قناعة بأن لبنان يتجه نحو مزيد من الفرز الطائفي والمذهبي، وأن المصلحة الوطنية تسقط أمام سعي القيادات الى الحفاظ على مواقعها، وبالتالي وجد نفسه غير مضطر للدخول في انتخابات النيابية على أساس طائفية ومذهبية ليضمن مقعداً نيابياً، لذلك قرر بعد خروجه من إحدى جلسات مجلس الوزراء أن يفجر قنبلة بإعلانه العزوف عن الترشح للانتخابات النيابية لعام 2013.

رفض أبناء طرابلس قرار الصفدي بالعزوف عن الترشح وجدّدوا ثقتهم به عبر تحركات عدة، وساعدتهم الظروف السياسية على ذلك، حيث جرى أكثر من تمديد لولاية المجلس النيابي، ساهم في إبقاء الصفدي في موقعه النيابي وفي دفعه الى إجراء قراءات متأنية لكثير من المحطات وإستخلاص العبر منها.

لم ينقطع الصفدي عن طرابلس، وأعطى وجود عقيلته السيدة فيوليت مزيداً من الحضور لمؤسسة الصفدي ومركزها الثقافي عبر سلسلة من المشاريع والنشاطات التي عادت بالفائدة على أبناء طرابلس عموماً وساهمت الى حد كبير في إظهار الوجه الحضاري المشرق لعاصمة الشمال من خلال مهرجانات ومعارض وأمسيات كان لها صدى إيجابياً كبيراً على مساحة الوطن ككل.

في غضون ذلك، فاجأ محمد الصفدي الكثيرين بأن قراره النهائي بعدم الترشح في العام 2018 لم يكن إستسلاماً أو إنسحاباً من الحياة السياسية، بل على العكس فقد نشط سياسياً على أكثر من صعيد، وأعاد المياه الى مجاريها مع الرئيس سعد الحريري ودعم لائحته في الانتخابات وكان له اليد الطولى في زيادة تمثيل تيار المستقبل في طرابلس، ثم كان له مقعد في مجلس الوزراء عبر عقيلته السيدة فيوليت التي تترافق مع مسيرته وتحقق الإنجازات حيث كان لوزارتها أثر بالغ الإيجابية على المرأة والشباب.

ظنّ البعض أن محمد الصفدي قد تقاعد وسلّم مقاليد السياسة لعقيلته التي أثبتت حضوراً مميزاً في هذا المجال، قبل أن يفاجأ الجميع بأن لإبن طرابلس دوراً جديداً في الإنقاذ من خلال طرح إسمه لترؤس الحكومة، لكن الصفدي الذي لم يتبدل، ما يزال يرفض الانصهار أو الذوبان في أي تيار سياسي آخر ولو كانت الإغراءات من حجم رئاسة الحكومة.

ما واجهه الصفدي مؤخراً، يؤكد أن ما لم يقبل به مع تيار المستقبل منذ العام 2005 لن ينفذه في العام 2019، وبالتالي فإن خصوصيته وتمايزه واستقلاليته هي بالنسبة له أهم من أي منصب كان، لذلك عند طرح إسمه خافه كثيرون، وشنّوا حرباً جديدة عليه، يقول مقرّبون منه إنها لم تزده إلا صلابة وإصراراً على الاستمرار في النهج السياسي الذي رسمه لنفسه.

يُذكر أن علاقة الصفدي بالحريري كانت قد بدأت كحليف، ولكن سعد الحريري حاول دائماً أن يتعاطى مع محمد الصفدي وكأنه من أهل البلاط!

خاص- البيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *