القطاع المصرفي لن يصمد والخاسر الأكبر هم المودعون

أمام ما يحدث في القطاع المصرفي وتعامل البنوك مع المودعين وقرارات مصرف لبنان في تقيد حسابات اللبنانيين والتشدد في السحوبات المالية وتوقف عمليات تحويل الأموال الى الخارج إلا ضمن شروط قاسية جداً وعدم وجود الدولار الأميركي في المصارف وارتفاع سعر صرفه عند الصيارفة من دون أي تدخل واضح من قبل حاكم مصرف لبنان وطبع أطنان من العملة اللبنانية مؤخراً مؤشرات لم يشهدها لبنان حتى في ذروة أيام الحرب، كل ذلك ينذر بكارثة ستقع في القطاع المصرفي وستجرف معها كل المودعين وأصحاب الحسابات المصرفية.

وأمام ما تفعله المصارف في فروعها من منع المودعين سحب إلا جزءاً صغيراً من معاشاتهم أو أموالهم وحصر كل التعاملات بالليرة اللبنانية، وأمام ما نشهده يومياً من تعديات على المصارف أو على الموظفين، يبقى السؤال: “ماذا يحصل في القطاع المصرفي؟ وهل نحن على أبواب إنهيار كبير سيصيب هذا القطاع؟”

إلتقت “البيان” بأحد الشخصيات المصرفية المرموقة ونقلت لها مخاوف الناس، في محاولة لإيضاح الصورة الحقيقية للرأي العام ومعرفة ماذا يحصل في البنوك وما هي مصير ودائع الناس وأموالهم وجنى عمرهم.

دولة… بنوك… مودعون

يؤكد مصدرنا في بداية حديثه “أن أساس العلاقة قائمة بين ثلاثة أفرقاء وهي: الدولة، البنوك- ومعها ضمناً مصرف لبنان- والمودعون. سياسة النظام الريعي اعتمدوها منذ سنوات وهي قائمة على جلب الأموال من المغتربين والمودعين من خارج لبنان ليضعوها في المصارف لقاء نسب فوائد مغرية، بينما تقوم المصارف بالمقابل بتديين الدولة اللبنانية من تلك الأموال محققين من وراء هذه السياسة الريعية الأرباح الطائلة. وبنتيجة التكلفة الباهظة التي تتكبدها الدولة في ثلاثة أماكن وهي: حجم كلفة القطاع العام، العجز في شركة، كهرباء لبنان، وهو يمثل 2 مليار دولار سنوياً، وكلفة الدين العام، فإن حجم القطاع العام من موظفين وعسكر وإداريين واأاتذة وغيرهم ضخم جداً لدولة بحجم لبنان. ورقم 2 مليار دولار حجم العجز في كهرباء لبنان الذي تدفعه الدولة كبير جداً على ميزانيتها. أضف الى ذلك، كلفة فوائد الدين العام. حين تستمر الدولة اللبنانية كل عام في دفع هذا العجز بما يتعلق بالكهرباء والقطاع العام وكلفة الدين العام، فهي تحمّل نفسها كل سنة ضغطاً مالياً إضافياً وترفع من فاتورة الدين. بنتيجة هذا الحمل الكبير على كاهل الدولة أصبحت هذه الأخيرة عاجزة عن تخفيض العجز في الموازنة، لا بالعكس صار حجم العجز يزداد كل سنة. كل المعالجات لا تأثير مباشراً لها على تخفيض نسبة العجز.

أزمة مفتوحة لا نهاية لها

ويتابع: “إن إمكانية المحافظة على صرف سعر الليرة اللبنانية لدى مصرف لبنان متوفرة لكن شرط أن لا تكون هذه الأزمة مفتوحة ولا نهاية لها. نحن في لبنان نعيش أزمة مالية- سياسية- اقتصادية مفتوحة لا نهاية لها. يمكن لمصرف لبنان التدخل مرة أو مرتين للحد من ارتفاع سعر الدولار أمام الليرة. لكن أمام الواقع الحالي نحن في لبنان نعيش أزمة مفتوحة ولا نعرف متى ستنتهي. إن ميزان المدفوعات في وزارة المالية للدولة اللبنانية يزيد من نسبة عجز الدولة. وهو ناتج عن زيادة في الإستيراد والإعتماد على استيراد كافة المواد. نحن دولة نستورد بشكل كبير بينما يتقلص حجم التصدير. نحن نستورد عما يزيد عن 20 مليار دولار في السنة ونصدر بمبلغ لا يتجاوز الـ3 مليار دولار سنوياً. وهكذا نكون في عجز 7 مليار دولار عملة صعبة تخرج من لبنان. من كان يغطي هذا العجز؟ تحويلات المغتربين كانت تغطي هذا العجز. وبنتيجة الظروف وتراجع الأحوال في البلاد العربية والأفريقية وبنتيجة الأوضاع السياسية والأمنية التي تعيشها تلك الدول تأثرت الأعمال وانخفضت رواتب الموظفين في الخارج، وخفت بذلك التحويلات من الخارج الى لبنان. كانت هذه التحويلات تسد عجز ميزان المدفوعات، لكنه اليوم أصبح يمثل استنزافاً للبنك المركزي شهرياً بمبالغ تخرج من خزينته كي يسدد قيمة الاعتمادات والحوالات.”

التسوية ستأتي على حساب المودعين

ويستكمل: تسارع الأمور وخوف الناس وهجمتهم على شراء الدولار وسحب ودائعهم وتحويلها الى الخارج إضافة الى العجز الكبير في ميزان المدفوعات أدى الى ان يصبح البنك المركزي غير قادر على تغطية المستحقات. ولو كان مصرف لبنان قادراً على تغطية المصاريف كان طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري مساعدة مصر وتركيا لفتح خط إئتمان لنستورد مواد غذائية؟ لو كانت العملات الصعبة متوفرة في البنك المركزي هل كانت لتعتمد البنوك خنق المودعين في تحويلاتهم الى الخارج؟ من الواضح ان عملية السيولة في العملات الصعبة غير متوفرة بالكميات المطلوبة. سمعنا في آخر مؤتمر صحفي لحاكم مصرف لبنان أن لديه 38 مليار دولار. من يملك هذه المبالغ لا يدع رئيس الحكومة يطلب مساعدة الآخرين ولا يسمح للبنوك بفرض هذه القوانين الصارمة وغير المحقة. ما نعيشه اليوم في البنوك هو نوع من capital control  .وصل العجز عن الناتج المحلي الى 155 % وهذه النسبة غير موجودة في أي بلد  في العالم ولا أحد قادراً على تحملها. هذا المبلغ الكبير المتعلق بقيمة الدين سيجدون له حلاً وتسوية مع البنوك. ان قالت الدولة للمصارف لا مال لدي لأسدد الديون، تلقائياً ستقول البنوك للمودعين لا أموال لدينا لنعطيكم مالكم. للأسف، إن المصارف سلفاً تقول للمودعين حالياً لا أموال لدينا لأعطيكم. والمودعون هم الفئة التي ستتحمل الخسارة الكبرى ولن يكون لها أي حق بالاعتراض عما ستتفق عليه فيما بينها البنوك والدولة اللبنانية من تسوية قادمة. وهناك سيناريوهات كثيرة وعديدة طرحت ومنها قلب ودائع الناس من دولار الى ليرة لبنانية ويصبح صرف الدولار 1800 ليرة لبنانية أو أكثر. ويكون بذلك قد تحول نصف ودائع الناس لليرة اللبنانية وأصبح سعر صرف الدولار يساوي 2000 ليرة. وبذلك يكون الناس قد خسروا 30 % من ودائعهم. والباقي من ودائع الناس يقولون نعطيكم بها سندات خزينة بفائدة رمزية واحد بالمئة ريثما تستعيد الدولة عافيتها. أما الطرح الثاني خاصة على ضوء خصخصة شركتي الخليوي والكهرباء، فقد أخذ جزء من ودائع الناس لأسهم في شركتي الخليوي والكهرباء. هكذا لا تخسر الناس أموالها وتصبح مالكة مكتتبة بتلك الشركات التي يفترض أن تكون منتجة بعد إصلاح إدارتها طبعاً. وهناك جهة ثالثة طرحت سياسة Hair cut  من الودائع وإزالة نسبة تتراوح بين 25 الى 50 % من قيمة رأس المال.”

ويختم: “القطاع المصرفي لن يستطيع الصمود أكثر من ذلك. أصعب شيء ان يفقد القطاع المصرفي الثقة فيه. لا يحق لأي بنك أن يقول لأي مودع لا أريد أن أحول لك الأموال الى الخارج لكنه فعلاً غير قادر لأنه لا يوجد لديه سيولة، لا بالليرة اللبنانية ولا بالدولار الأميركي. لا بد من إعادة إنتاج قطاع مصرفي مختلف كلياً عن الحالي. نحن في مرحلة السقوط نحو الأسفل. سيتحول المجتمع اللبناني ليعيش حالة من الصعوبات والتعتير ومن الفقر. سيتغير أسلوب عيشة كل اللبنانيين نحو الأسوأ.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *