البلادة في نظام لبناني أخطبوطي بمواجهة الانتفاضة

اليوم، تعبّر هذه البلادة عن حضيضها، بصمّ أذنيها عن أنين مئات الآلاف من مودعي الأموال في المصارف. على ضوء إحصاءات حديثة تشير الى أن عدد الحسابات المصرفية في لبنان يتجاوز المليون وسبعمائة ألف حساب، تتعاظم الصّورة في كارثيّتها، القابضة على أموال مودعين من الطّبقة الميسورة ومودعين هم غالبيّة اللبنانيين من الطّبقة الوسطى الّتي أطلقت دينامو 17 تشرين وكوّنت نخبتها واستقطبت قاعدتها الشعبية.

انتهاك فج ومنهك في فجاجته. إذ كيف تتجاسر المصارف على احتجاز ودائع العملاء، وتقنين حصولهم على نتاتيف منها، فيما ينازعون تحت الضغط الاقتصادي المتصاعد الذي لا ينحصر بالغلاء ولا بهبوط المعاشات، وتسريح من الوظائف، وخسائر مدوية في الأعمال؟

إنّ القطاع المصرفي الّذي أسّس وأشاع للبلاد سمعة مصرفية لامعة على المستوى الدولي، نراه اليوم أكثر تهديدًا لهذه السّمعة، ونتائج هذا الانحلال في الثقة لن تكون مأمونة العواقب قط. فالارتدادات تخرق عدّاد الانتفاضة ولن تنحصر في آنيتها بل قد تخرق سمعتنا المصرفية الى ما لا نهاية، خصوصًا أن بعض التحليلات الاقتصاديّة تحذّر من تهديد ودائع المصارف بالفقدان استنادًا الى دأب الدولة على الاستدانة من المصارف، ومسؤولية المصرف المركزي المفترضة بإعادة الأموال للمصارف الخاصة. واحتباس الأموال دلالة على عجز المصرف المركزي عن إعادة الاموال، أو على ادعائه بهذا، وفي كلا الأمرين، أزمة.

أمّا على المستوى الشّعبي، فقد يتعذّر رصد الحوادث المضطربة التي وقعت في المصارف مؤخرًا لكثرتها، وخصوصًا لتباين حدّتها بين ملاسنات أو تعارك بالأيدي أو صدامات مسلحة، وتنوّع الأسلحة بين سلاح أبيض أو ناري. إنما المؤكّد أنّنا دخلنا نفقًا أسود من الاحتقانات المتفجّرة في المصارف، يأتي آخرها ما حدث في حلبا ودعوة جمعية مصارف لبنان الى إقفال كل المصارف في عكار حتى إشعار آخر- وكأن عكار ينقصها مزيدًا من الرّكود أو الهامشيّة الماليّة.

مربكٌ هذا الواقع. نفهم هذه الانفجارات، إنما مسؤوليتنا الأخلاقيّة وحيال لبنان وانتفاضته ورقيّ هذه الانتفاضة، تمنعنا من تفهّمها.

في عددها يوم 28 كانون الأول، نشرت “النهار” كاريكاتورًا للفنان أرمان حمصي، يركّز ببلاغة مؤلمة على واقعنا المصرفي. جاء فيه مواطن يخفي بيده وجهه أو دموعه فيما هو جالس أمام صناديق مغلقة لأحد المصارف، بجانبه يافطة خطّ عليها “أموالي يا محسنين”، يمدّ يده الأخرى، كالشّحّاذين.

وإزاء كلّ هذه الآلام الّتي ينتجها انهيار مصرفيٍ أو ما يوشكه، النظام ثابت لا يتزعزع، ثبوت البليد والواثق من غنائم بلادته. هو ليس بـ”العهد” القوي إنما بالمنظومة القويّة، الّتي كشفت الانتفاضة عصبها وعصبتها وعصابتها الأقوى، في الثنائي مصرف مركزي- مصارف خاصّة، تظلّلهما الدّولة اللّبنانية بكافّة سلطة تشريعية تشرّع اللّصوصيّة، وسلطة تنفيذية تنفّذها، وسلطة قضائية تستّرها، وسلطة دينيّة تبارك كلّ هذا.

إنّ ما تقدّم وإن صُوّر كأحد أضرار الانتفاضة، يشير وفي حَرفيّة التشخيص بذاته الى ضرورتها وصوابية جوهرها، وإلحاحها. ينبغي ألا يجرنا هذا التعثر الى التفسيرات المضلَّلة. فالسّلطة الّتي تركن الى بلادتها في مواجهة الواقع المصرفي المأزوم، أليست نفسها السّلطة الّتي نهبت شعبها لأكثر من ربع قرن، وتستحقّ الاقتلاع؟

بدأت الانتفاضة بنقاوة وتخلّلتها الأيدي المخرّبة، تارة من الأقبية الأمنية السوداء وطورًا من أبواب المصارف. وستشحذ الطبقة السيّاسيّة كل امكاناتها لإطفائها، بمساندة من أحداث العراق، الّتي تنعكس حتمًا على المعادلة الحكومية، والتوتر في تقسيم كعكة الوزارات على  رؤوس طائفية أعيد شحذها بالحجج.

لكن علينا ألّا ننسى أنها انتفاضة نجحت في استيلاد مطالب معيشيّة موحّدة، على امتداد لبنان وللمرّة الأولى في سجلّ مئويته. وأنها انتفاضة كشفت المصالح المصرفية لكبار الفاسدين. وأنّها انتفاضة تحفر في التكلس المزمن في مفهوم الدولة. وأنّها انتفاضة أعطت للسيّدات ولا سيما الأمهات دورًا متقدّمًا في المعترك العام وأعادت التّأكيد بأنّ نساءنا خارقات لكل التوقعات. والأهم، أنها انتفاضة مدينة للطلاب الّذين رفعوها الى أعلى مستويات في الطاقة والإصرار والإبداع، واستمرارهم بالمرونة والحكمة والوعي المدهشين حقًا، في مواجهة الاستثارات الطائفية بما يتضمنها العنف، ومعهم تبدأ ديناميّة ثوريّة جديدة لم يألفها لبنان قبل 17 تشرين.

نحن لا ننكر أنه في صورتها المرئيّة، قد تشير الانتفاضة الى ضمورها، بفعل هذه البلادة غير البريئة، التي تواجه بها السلطة غليان الشارع. إنّما ينبغي تثبيت أن ما يحدث في لبنان مهيب. ويظلّ شرفًا للشعب وتشريفًا للبنان بصرف النّظرعن مآله. ومهمّة المؤمنين به هو حمايته من الاشتباه به، ومن تقزيمه.

والسؤال الآن يأتي حول كيفية القبض على نجاحات هذه الانتفاضة والبناء عليها، في مواجهة سلطة أخطبوطية بليدة، وهو الأصعب.

جودي الاسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *