“بواخر” لإعادة المغتربين

أخذَ ملف عودة اللبنانيين الموجودين في الخارجِ منحاً تنازعياً يتقاسمه فريقان ما وضع الحكومة اللبنانية في حرجٍ شديدٍ وجعلها أقرب إلى الدخول في زمن الجمودِ السياسي رغم نعومةِ أظافرها.. والآن العيون كلها شاخصة إلى نهار الثلاثاء فهل تُكرَم الحكومة أو تُهان؟!

من المفارقات، أن الحكومة التي قيلَ عنها في مستهل تشكيلها أنها تضم وجوهًا “اختصاصية تكنوقراطية”، ظهرَ لاحقًا أنها مخترَقة بالكامل من وزراءٍ اوجدوا بهدفِ تأمين مصالحِ من ينوبون عنهم ما يصب في صدقية الحديث الذي راجَ حين شكلت حول أنها نسخة جديدة من نسخ حكومات السلطة!

رغم ذلك كلّه، يجهد رئيسها حسان دياب في الحد من قدراتهم وقد نال جزاء ذلك تهديدات بتحوّل تشكيلتهِ إلى سرابٍ.. هنا ثمة سؤال يُطرَح، ما هي الفائدة من تهديدِ حياة الحكومة في وقتٍ يجتاح فيروس “كورونا” ومعه الازمة الاقتصادية – المالية حدود البلاد؟

المشكلة بدأت حين أبدى رئيس الحكومة عدم رغبةٍ “في الوقتِ الحاضر” لاستقبال المغتربين من الخارج، على اعتبار أن هؤلاء قد يحملون في احشائهم نواة “كوفيد -19 “. هذا الكلام سُمع للمرة الاولى حين بُحِثَ الأمر على طاولة المجلس الأعلى للدفاع، وثانيًا حين تولى وزير الخارجية ناصيف حتّي تسويقه لكنه قدمه بقالبٍ “فج” جعل السيئات تطغى على الحسنات وثالثًا على طاولة مجلس الوزراء بشكلٍ أعمق.

ومع امتثال دياب إلى “مخاطر كورونا” وعدم قبوله منطق الاعادة، شنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري حملةً على الحكومة مهددًا بدرس استمرار مشاركته فيها واضعًا تاريخ الثلاثاء موعدًا نهائيًا لبتّ أمر إعادة اللبنانيين من عدمه.

هناك من يعتقد أن “انتفاضة بري” حمّالة أوجهٍ ولا تتصل على نحوٍ خاص بموضوع النزاع حول مسألة إعادة اللبنانيين بل أن بري يضمر ما هو أبعدُ من ذلك والتلميح هنا إلى أمورٍ لها صلة بتوافر رغبةٍ في تطويع رئيس الحكومة وإحكام الطوق حوله بغاية انتزاع تنازلٍ منه يصب قضية التعيينات وملفات أخرى.

أضف إلى ذلك، أن الحديث بدأ يأخذ ابعادًا مختلفة مع ارتفاع الصوت لدى اللبنانيين من الموجودين في أفريقيا الذين يخشون على حياتهم هناك بفعل عدم وجود نظام صحي متكامل ما دفع الاطراف السياسية في الداخل إلى التماهي ورفع صوتها. بالتوازي، كان واضحًا أن هذه النبرة لم تسمع حين “بحّ صوت” اللبنانيين في إيطاليا مثلًا، وتقريبًا تواطأ الجميع على تجاهلهم.

لذا، هناك ظنٌّ أنّ ما وراء مثل هذه الدعوات رغبة لدى البعض بالعودة إلى منطق الاستثمار السابق لدى الجالية اللبنانية في افريقيا، المصنَّفة غنية، أو رغبة في تحسين العلاقة معها أو مع البيئات الشعبية المحسوبة عليها بعدما تلقت تلك العلاقة ضربات مختلفة زمن الانتفاضة الشعبية.

لكن لدياب حسابات مختلفة، يعاين أمامه ازدواجية تتبعها جهات، فهي تدعو اللبنانيين للبقاء في منازلهم وعدم الاحتكاك حتى مع أقرب المقربين ثم تدعو أهل الحكم لفتح الأجواء للمحجورين في الخارج في وقتٍ نفتقر إلى أجهزة تنفس كافية للمقيمين فكيف للقادمين؟.

من جانب آخر، يعتبر أن هناك اجحافًا يُمارَس بحقه، فحين بدأ الحديث عن رفض عودة اللبنانيين على متن رحلاتٍ قادمة من الجمهورية الاسلامية الايرانية أبقى على الحدود الجوية مفتوحة حتى حضروا بالكامل فتحمَّل العواقب السياسية كنتيجةٍ لذلك، والآن يُتهم بعدم وجودِ رغبةٍ لديه في استعادة “المغتربين”!

فضلًا عن ذلك، مورست عليه حملة يومها تتهمه بـ”استيراد كورونا من إيران”، فكيف سيكون المشهد إذا ما قرَّرَ اليوم اعادة فتح الاجواء، من يتحمَّل العواقب والاتهام في حال ظهرت حالة واحدة أثبت بنتيجتها إصابة أكثر من شخصٍ؟

هنا، يتضح أن دياب يحاول التوازن بين خيارَيْن صعبَيْن والذهاب إلى الخيار الأقلّ ضررًا ثم البدء بدرسِ خياراتٍ قد تكون أقلّ تكلفة. وهنا كان قد نُقِلَ عنه قوله أنه يتقاسم المغتربين وأهاليهم الشعور ذاته لكون ابنائه هم موجودون في الخارج.

إجرائيًا، هناك سيناريوهات عدّة يجري بحثها من أجل اعادة المغتربين في موعدٍ أقصاه الثلاثاء، علمًا أن انقسامًا عموديًا يدور حولها و يتنازعه فريقان.

الأول يُطالب بإعادة اللبنانيين بصرفِ النظر عن الأسباب أو المخاطر ويحمل لواء عدم السماح بترك اللبنانيين وليمة لـ”كورونا”.

الثاني لا يكيد للمغتربين، ويمثله رئيس الحكومة وفريقه الاستشاري. يرى أن اعادتهم في هذا الوقت قد ينم عنها مخاطر بالجملة، كتعريض من على متن الطائرة لخطر الإصابة بالفيروس، وبعبارة أوضح تحويل تلك الطائرات الى قنبلةٍ موقوتةٍ. بالتوازي، يعمل على تأمين مستلزماتهم في أماكن وجودهم سواء عبر حث المصارف على تحرير التحويلات أو تقديم المعونات إلى السفارات.

من الافكار المطروحة حاليًا، اعادة من ينوي من المغتربين على متن رحلاتٍ استثنائيةٍ تقوم بها شركة طيران الشرق الاوسط على نفقةِ الدولة اللبنانية ‏ومن ضمن الاقتراحات إرسال بعثةٍ طبيةٍ تتألف من ممرضين واطباء يتولون إتمام عمليات الفحص قبل صعودهم إلى الطائرة ويجري فرزهم قبل وصولهم إلى لبنان.

لهذه الغاية، قامت قبل أيّامٍ مديرية الشؤون السياسية والقنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين بإرسال استماراتٍ إلى السفارات في بلدان الانتشار تتولى الاخيرة إرسالها إلى المغتربين تحوي معلومات وما عليهم سوى ملؤها في حال رغبتهم بالعودة وإعادة إرسالها الكترونيًا إلى السفارة. الغاية من الخطوة القيام بإحصاء نسبة العائدين تمهيدًا لتأمين وسائل النقل.

اقتراحٌ ثانٍ يجري درسه، وهو اعتماد “الاجلاء” باستخدام البحر لا الجو، أي عبر استئجار بواخر خاصة بنقل الركاب تحوي على غرفٍ معزولةٍ، يجري وضع المصابين في غرفٍ محددة بعد فحصهم والآخرين بغرفٍ مختلفة، وبهذا يكون قد تأمّنَ الحدّ الادنى من “الحجر”. وفور وصولهم إلى لبنان يجري حجر غير المصابين في فنادقٍ موجودة بالقرب من المرفأ، ويُصار إلى نقل المصابين منهم (في حال وجدوا) إلى المستشفى.

لكن هذا الاقتراح تدور حوله اعتراضات كثيرة، لناحية طول فترة الاجلاء وتكلفة استئجار البواخر، واحتمال عدم توافر رغبةٍ لدى الكثير من الشركات للخوض بأمرٍ مماثل خشية منهم على البواخر أو تعريض الطاقم الملاحي للخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *