“الشعب سيحاسب”… هذا ما يقلق الحكومة العتيدة!

بين يوم السبت وبعد غد الأثنين أقل من 48 ساعة، قد تكون الأهمّ في تاريخ لبنان، وهي ستكون حافلة باللقاءات الجانبية والإتصالات البعيدة عن الإعلام، وذلك من أجل بلورة صيغة شبه نهائية لشكل الحكومة العتيدة ومن سيكون رئيسها وما هي المهمات الملقاة على عاتقها، في ضوء ما أفرزته الشوارع من مطالب شعبية وما يمكن تحقيقه وما يتعذّر الوصول إليه في مهلة الستة اشهر المحدّدة لحكومة “كاميكازية” مقبلة على كمّ لا يُحصى من الأزمات والمشاكل، التي لا تكفي معها حسن النوايا والإرادة الطيبة والإستعداد لعمل ما لا يُعمل، لأن بين الواقع والمرتجى بونًا شاسعًا لا يمكن التوفيق بينهما بمعالجات محدودة الإمكانيات، وهذا ما يقع به الحراك الشعبي، الذي لا يزال يتجاهل ما يحيط بالأزمة الكبرى من تعقيدات وعقد بدت حتى الأمس القريب مستعصية على الحلّ، وهي لن تكون سهلة على أي حكومة، وإن كانت تشبه الحراك ومنبثقة منه، أي حكومة تكنوقراط. فالواقع شيء والأماني شيء آخر، على رغم التسليم بإحقية ما يطالب به المنتفضون في وجه السلطة الحالية التي يحمّلونها مسؤولية ما وصلت إليه حال البلاد من مآسٍ وكوارث على كل المستويات.

فهذه الحكومة، التي يريدها الشعب، إذا سلمّنا جدلًا بأن الإختيار سيقع عليها، ستذهب إلى المجلس النيابي لكي تنال ثقة نواب غير معترف بهم من قبل الشعب المنتفض عندما قال “كلن يعني كلن”، وفي هذا إزدواجية في المعايير وإنفصام في الشخصية المعنوية التي تجسّدها ما يُطلق عليها تسمية “ثورة”، وهي ليست كذلك، لأن مفهوم الثورة يختلف كثيرًا عمّا يحصل اليوم في الشارع، وهي في نظر البعض حراك (“حزب الله”)، وفي نظر البعض الآخر إنتفاضة لم تبلغ بعد مستوى الثورة بمعناها الحقيقي، مع أن في مطالب الناس بذور ثورة على الذهنية التي كانت تدار فيها أمور البلد، مع ما فيها من فساد، وهو من بين العناوين، التي يطالب المنتفضون بمكافحته وإستئصاله من النفوس قبل إقتلاعه من الممارسات الخاطئة والمميتة.فما بين هذه المطالب وإمكانية ترجمتها من خلال حكومة تكنوقراط وبين واقع لبنان، الذي لا يزال يرزح تحت عبء الطائفية والزبائنية ومنطق التسويات، إختلاف جذري في المقاربات، التي يسعى البعض إلى تطعيمها بمنطق مغاير، بحيث تتم المزاوجة بين أهل السياسة، الذين لا يمكن إلغاؤهم بين ليلة وضحاها، وبين أهل الإختصاص الآتين من نجاحات فردية غير مشكوك بها، وهذا ما يُعرف بحكومة تكنوسياسية، مع إختلاف في الظروف والأوقات.فما كان مقبولًا أو مسموحًا به قبل السابع عشر من تشرين الأول لم يعد كذلك بعد هذا التاريخ، بمعنى أن الذين سيدخلون إلى الحكومة اليوم من أهل السياسة سيكون أداؤهم مغايرًا عمّا كان في السابق، وإن كان البعض منهم مسؤولًا بنسب متفاوتة عن أزمات الوطن على مدى عشرات السنين يوم كانوا في السلطة أو مشاركين فيها بطريقة أو بأخرى، وذلك لأن الشعب سيكون لهم هذه المرّة في المرصاد وسيحاسب كل مقصّر أو مهمل أم متخاذل عن أداء ما يجب عليه أداؤه، وهو سيحّل مكان مجلس نيابي لم نره ولو لمرّة واحدة مراقبًا أو محاسبًا، بإستثناء بعض الحالات الفردية.وبذلك يكون الشعب، الذي هو مصدر السلطات، قد حقق جزءًا من مطالبه، عندما نصّب نفسه حارسًا للهيكل قبل أن يقع على رؤوس الجميع، وهو سيقوم بدوره الرقابي كاملًا، وسيقول كلمته النهائية عندما يرى أن الأمور تسير بعكس ما يراه مناسبًا لمصلحة البلد، الذي لا مصلحة أخرى تعلو عليه، وسيكون لكلمته فعلها الساحر ووقعها المدّوي، وسيسقط أي حكومة لا تكون قراراتها شبيهة بما يطالب به في الشارع. وهذا الأمر سيجعل الوزراء يعملون ليلًا ونهارًا من أجل أن ينجحوا حيث فشل الآخرون، وهم متكلون على ضغط هذا الشارع، الذي سيكون حافزًا للعمل المتواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *