طرابلس قبلة الثورة

منذ أن اندلعت الانتفاضة الشعبيّة في لبنان، في 17 تشرين الأول، تحولت عاصمة الشمال إلى لؤلؤة مضاءة جعلت منها “عروسة الثورة” والساحات في لبنان. ونحن، أبناء هذه المدينة، نمضي معظم أوقاتنا في وسط ساحة عبد الحميد كرامي المعروفة بـ”ساحة النور”، كأنّنا تصالحنا مع الساحة ومساحاتها الممتدة، وجعلناها مفتوحةً لخوض الثورة ولأجلها. ننظر في وجوه بعضنا، وكأننا أيضًا نتعرف على مدينتنا من جديد، ونسمع أصواتها بآذانٍ مختلفة، ونرى المشاهد الجامعة لانتفاضة بعيون الدهشة. لكن، سرعان ما نتذكر أنّ ما يحدث في طرابلس ليس طارئًا عليها، وإنّما يتأصل في عمق تاريخها المنتفض والوثّاب والمناصر للحرية والتحرير والثورات.

في العام 2000، ثمّة مشاهد لا تنسى من وسط ساحة النور نفسها على وقع تحرير الجنوب، حين خرج أبناء طرابلس، من مختلف أطيافهم وانتماءاتهم ومكنوناتهم، وصدحوا لأجل “المقاومة والعروبة”، ورفعوا أعلام حزب الله من دون تردد. هذا هو موقف طرابلس المجيد من المقاومة ضدّ العدو الإسرائيلي، قبل أن تدخل بخصومة سياسية مع الحزب بدءًا من العام 2005، لحظة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري.

في 17 تشرين الأول، عصفت هذه اللحظة الثورية بلبنان، وانسجامًا مع تاريخها ودورها الأصيل، كانت طرابلس جزءًا لا يتجزأ من هذه الانتفاضة الشعبية، فتحولت بديهيًا إلى قبلة لثورة لبنان وثوّاره، وأضحت ساحتها رقمًا صعبًا، لا بل محركًا أساسيًا لبقية الساحات اللبنانية. ومن هذا التاريخ، استعادت المدينة دورًا مسلوخًا رُغمًا عنها، فعادت مدينة مركزية، ولعبت دورها كـ”عاصمة لبنان الثانية” قولًا وفعلًا.

لكن، ولسخرية القدر، زحف الإعلام اللبناني المرئي نحو طرابلس، وركب موجتها، وأعطاها جزءًا كبيرًا وأساسيًا من هوائها المشرّع على مدار الساعة. وهذه الوسائل الإعلامية، تعاطت مع طرابلس كأنّها اكتشاف جديدٌ (!)، واعتبرت إحدى الإعلاميات أنّه قبل هذه الانتفاضة لم يكن هناك من شيء يُحكى عن طرابلس! صوّر الإعلام المرئي طرابلس كما لو أنّها نفضت عن نفسها غبار “قندهار”، قبل أن ترتدي ثوب “عروسة الثورة”. ربما نسي، أو غفل هذا الإعلام نفسه، أنّه هو من شارك في اضطهاد المدينة، ووصمها بصفات لا تشبهها، حين كان لا يتذكرها إلا أثناء المعارك والدمّ، فيصبّ النار على زيت شيطنتها، من دون أن يساهم في كشف مظلوميتها، وإنّما يتوغّل بها ويرفع من منسوبها.

هذه هي طرابلس من فجر تاريخها العريق، لم تتغيّر، وإنّما تعاطي الإعلام معها هو الذي تغيّر. طيبة أهلها، عنفوانهم، رحابة صدرهم، ليست سلوكًا طارئًا وإنّما أصيلًا في نفوسهم الموجوعة والمقهورة، من الحرمان والعزل والاضطهاد. ورغم كلّ المؤامرات التي حيكت ضدّ المدينة، لم يتبدّل أيّ شيءٍ في معادن أبنائها.

في 2 تشرين الثاني، وكانت ليلة استثنائية ذات سبتٍ، تحولت عاصمة الشمال إلى منارة الثورة في لبنان، وكانت ليلة من التكاتف والتآزر والتنوع والحبّ المطلق، بعد أن توافدت الحشود إليها من مختلف المناطق اللبنانية، ولبّت النداء، لتصدح بصوتٍ واحدٍ مع أهالي طرابلس: “ثورة ثورة.. كلن يعني كلن”.

أخبرنا أحد الزوار الثائرين وهو من مدينة صور، أنّه جاء إلى طرابلس لأنّها أصبحت مثالًا يُحتذى به لجميع اللبنانيين، وردّت الصاع صاعين لكلّ من أراد متعمدًا توشيه صورتها وسمعتها. كانت طرابلس على قدرٍ عالٍ من الوعي، وهي طبيعتها، ففتحت ذراعيها لجميع اللبنانيين الذين توافدوا إلى ساحتها ووجدوا فيها مساحةً رحبة وآمنة للتعبير عن مطالبهم وآمالهم الطامحة بوطنٍ جامعٍ عابر للطوائف والمناطق. وببساطة، استطاعت طرابلس أن تتغلب على “كارهيها” والحاقدين عليها، فواجهت كلّ محاولات شيطنة ثورتها بوعيٍ كبير. وفي تلك الليلة المجيدة، كانت طرابلس كتلة من السحر، بمشهد أبنائها الذين تراصفوا كتفًا لكتف مع ضيوفها، ثمّ اعتلى المنصة صاحب الصوت الأجمل محمد اسماعيل ورددوا معه شعارات الثورة بالفم الملآن: “أهل الذوق وجل الديب.. أنتوا أملنا اللي ما بيخيب.. صوتك يا بلادي: ثورة.. والحرّ ينادي: ثورة.. ساحة أحرار.. شعبي ثوار.. كرمالك بلدي.. مستقبل ولدي.. ضدّ النظام.. والاستزلام.. وحدة وطنية، ثورة شعبية / سمع سمع سمع: يا ثواااار… يا أحراااار.. / ضدّ الفساد.. والاستبداد.. ضدّ التبعية.. وحدة وطنية.. لا طائفية .. لا مذهبية.. ثورة ثورة”.

هذه المدينة، التي كانت تُقذف بصفاتٍ مقيتة لا تشبهها، عبر تصويرها كقرية نائية تعيش داخل صندوقٍ مغلقٍ محافظٍ وتقليدي، ثمّ إلى اعتبارها حاضنة للإرهاب، تأتي عند كلّ مفصلٍ ومحطةٍ تاريخية، لتنزع عنها هذه النعوت القاهرة، فتخرج من صمتها وتنفض ذلك الغبار عنها، ولا تتردد أن تهتف لصور والنبطية وجلّ الديب والزوق: طرابلس معاكم للموت.

اليوم، تعيش المدينة في تحدٍ بالغ الدقّة، وهي تقاوم يومًا بعد آخر لعدم السقوط في شباك التخويف والمؤامرات. وطرابلس المُعاقَبة على الدوام، لا بدّ أن يبقى أهلها في طليعة الثورة، وعدم الانجرار وراء أحد، لأنّها قد تحتاج لـ30 عامًا آخر، حتّى تأتي مثل هذه اللحظة العظيمة، لتسجّل في تاريخها مرحلة ذهبية قررت فيها الانتفاض على السلطة، والقضاء على الفساد والمفسدين.

جنى الدهيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *