تلاميذنا أصبحوا أساتذتنا

سألت ربيع “ألا تخاف على الشهادة؟ كيف تقرّر أن تنزل اليوم الى المسيرة؟”- يجيبني طالب البروفيه “ماذا أستفيد إن نجحت في شهاداتي وعلّقتها على الحائط؟ جئت أطالب بفرصة عمل لي بعد التخرج”.

كلام ربيع، الطّفل حسب شرعة الأمم المتحدة والطّفل في عيوننا، كلام منطقيّ، واعٍ، بعيد النّظر. وكم كانت الغشاوة سميكة على أنظارنا الًتي لم تستطع التنبؤ بهذا النضج أو توقّعه أو حتّى “الاشتباه” به. ربيع يصغرني بنصف جيل، اتّضح أنّه بَاعد بيننا مسافة وطَن، واتّضح أيضًا أنّ ربيع ورفاقه هم الأكثر جرأة واندفاعًا لبنائه.

هذه الدّردشة السّريعة، تلتها محادثات كثيرة جانبيّة تبادلتُها مع طلّاب الجامعات والمدارس الّذين التحقنا بهم في مسيرتهم الطالبية صباح السبت الماضي، هي الأكبر حتّى الآن في تاريخ 17 تشرين الأول، والأقوى فاعليّة ورمزية، التحق بها أكثر من خمسة آلاف شابة وشابًا. 90% ممّن مشوا من ساحة النور الى عزمي مرورًا بالمئتين ونقابة الأطباء وصولًا الى السنترال وثمّ المعرض وأخيرًا ساحة النّور، 90% منهم أعمارهم ما دون 25 سنة. هذه الشريحة الغضّة خدمت محاولتنا في إعادة إنتاج الوطن أكثر ممّا فعلت كلّ الشرائح الباقية، أكثرمنّا جميعًا. فمَن يجرؤ على القول بأنّ هؤلاء اليافعين والجامعيين “قبضانين من السّفارات”؟ وأيّة ميليشيا بكلّ ما أوتيت من جبروت وهمجيّة تجرؤ على إلحاق الأذى بقاصرين (قانونيًا) تركوا مقاعد دراستهم وجابوا في الشوارع يهتفون “ما بدنا زبالة ما بدنا كياس.. بدنا دولة متل الناس”؟

نقف في حيرة أمام هذا الجيل، نحاول اكتناه جذور هذا العصب الوطني الّذي انشدّ فجأة، فضخّ الحيويّة والروح في شرايين الثورة. حادثة إحدى الراهبات في مدرسة من المتن تجبر تلاميذها على ملازمة صفوفهم بأسلوب ترهيبي وفوقيّ لم يَرضه طلّاب لبنان، فتركوا مدارسهم في اليوم الثاني يهتفون للثورة، لحقوقهم ولحقوق كلّ اللّبنانيين. من حادثة واحدة، ثار طلّابنا لكرامتهم. تمرّدوا. لازموا السّاحات. كم من مرّة حين كنّا في أعمارهم، لم نثٌر ولم نحرّك ساكنًا حيال كل الانتهاكات الّتي نالت من كراماتنا كأناس أولاً وكلبنانيين ثانياً؟ معهم، هؤلاء الطلاب، فهمنا وأيقنّا بأنّ العودة للوراء صارت مستحيلة. دخول طلّابنا في النّسيج المطلبي، في صوت واحد موحّد وبهموم شبه مطابقة من طرابلس إلى النّبطيّة، أفهمنا بأنّ المستقبل سيكون بخير، بفضلهم هم، بعدما فشلنا في تحقيق الضّمانات الدنيا لمستقبلهم.

حين يستبدّ بي اليأس، كنت أقارن بيننا شبابًا وطلّابًا، إستكانتنا، إذعاننا، وبين الثّورة الطلابية الّتي اندلعت في فرنسا في أيار 1968 احتجاجًا على ارتفاع ثمن البيض. طبعًا، ليس بالإمكان اختزال تلك الثّورة بقيمة كرتونة بيض، لكنّها كانت القشة الّتي قصمت ظهر البعير، مثلما أطلقت الرسوم على خدمة واتساب شرارة الثّورة. إنّما الفارق بأنّ السّلطة التّشريعيّة هناك كانت أكثر نخوة، فاستجابت لمطالب الشّباب الّذي نجحوا في حلّ البرلمان الفرنسي في غضون ثمانية أيّام فقط. أمّا في لبنان، فيخوض الشّباب تحديات أكثر ضخامة مع سلطة لم يخجلها هذا الانتفاض المفترس لشعبها ولم تحرّك ساكنًا قط خلال شهرٍ، ما عدا في استقالة الحكومة الّتي فتحت باب التغيير الأول نحو حكومة إنتقاليّة لم نتقدّم في تشكيلها قيد أنملة.

“مدام جودي..!” ألتفت الى يمناي فأجد أسامة (15 سنة)، وقد لوّحت وجنتيه الشقراوين شمس الظهيرة، يقف حاملًا العلم في ساحة النّور. سألت تلميذي “منذ متى تقف هنا؟” أجابني “كلّ يوم”… من المنية، ينضمّ أسامة الى الثّوار في ساحة النّور. “سادين” أيضًا كانت موجودة. تلميذة من مدرستنا، تقوم بالمساعدة في لمّ النفايات وفرزها. وكذلك التقيت تلميذتي “جنى” الّتي أخبرتني أنّها لا تريد أن تهاجر لأنها تحب لبنان وتحب عائلتها. ورأيت صورًا لـ”سارة” الصّغيرة الّتي تحب تزيين دفتر الفرنسي، تهتف مع أخواتها للثورة. أتوا جميعًا الى الساحة منذ بداية المظاهرات وقبل أن يحمل شعلتها الطّلاب منذ الأسبوع الماضي.

لجنى، وسارة، وسادين، وأسامة، وكلّ تلامذة وطلاب لبنان، مدينة أنا باعتذار وألف شكر. أمس عاقبتُ أسامة لأنّه اختبأ تحت طاولته يأكل حبّة جنارك. كنت أظنّ أنّه وأترابه جيل الفورتنايت والواتساب والـplay station، أقصى همومهم الأكل واللعب في غير وقته. لكن يبدو أنّ الأدوار انقلبت، وأصبح هؤلاء التلاميذ أساتذتنا في الوطنيّة. ساحاتنا ملعبهم الأجمل، و”طبخة” الثّورة تبدو أكثر نضوجًا وأمانًا تحت أيديهم.

في أعمار هؤلاء الشّباب، نزلنا الى ساحات 14 آذار، هزّنا اغتيال الحريري، بكينا لاغتيال سمير قصير ولم تكد تجفّ دموعنا حتى اغتالوا جبران تويني. نزلنا الى الساحات ليس فقط للمطالبة بسيادة الدولة بل أيضًا وخصوصًا لبناء دولة تحترم الإنسان وتحترم حريات الناس بدلاً من ترهيبهم وكمّ أفواههم ولاحقًا قتلهم. لكن ثورتنا أجهضت. فهل ينجح طلّابنا في شقّ طريقٍ- هي حتمًا غير معبّدة بالورود- تجاه وطن يليق بهم وبنا؟

جودي الأسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *