استعادة الأموال المنهوبة “حلم” طالما أهل السلطة هم الخصم والحكم

رفع الحراك الشعبي شعار استعادة الأموال المنهوبة منذ التسعينات حتى اليوم والتي جناها أهل الحكم عبر ممارسة الفساد والإفساد بكل مواقعهم على حساب الخزينة وأوصلوا البلد الى ديْن عام بلغ 100 مليار دولار، حيث بلغت تكلفة الفساد 10 مليار سنوياً، في وقت درس مجلس النواب يوم أمس الثلاثاء قوانين متعلقة بمرسوم قانون مكافحة الفساد، واقتراح قانون إنشاء محكمة للجرائم المالية، ورفع السرية المصرفية، تبييض الأموال، واسترداد الأموال المنهوبة. فهل يمكن استعادة هذه الأموال التي يقال إنها تتراوح بين 75 و200 مليار دولار عبر القوانين التشريعية، إضافة الى استرجاع الأموال المكدّسة في البنوك الأجنبية منذ العام 1990 والتي تصل الى 800 مليار حسبما كشفت صحيفة “واشنطن بوست”الأميركية؟

فهذا الهدف يعتبر ثورة بكل معنى الكلمة ويحقق مبدأ المساءلة والمحاسبة، لكن من ينفذه طالما ان أهل الحكم لا يزالون هم أنفسهم ويمسكون بمفاصل الدولة  في السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وبالتالي هم الخصم والحكم؟ فهذا الأمر يلزمه قرار سياسي كبير وقرار قضائي شجاع وتطبيق التشريعات القائمة وإصدار تشريعات مكملة وإلا عبثاً المحاولة. فالقوانين مركونة على الرف بهذا الخصوص ولا تطبَّق وأولها قانون: “من أين لك هذا” أو قانون الإثراء غير المشروع الذي أقر عام 1953 بمبادرة من الوزير والنائب الراحل ريمون اده ولم يطبق حتى اليوم، وهو ينص على أن كل من يقوم بخدمة عامة، وكل من أسند إليه، بالانتخاب أو التعيين، رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس النواب، رئاسة مجلس الوزراء، أو الوزراء والنواب والقضاة وغيرهم، عليه أن يقدم تصريحاً موقعاً في غلاف سرّي مغلق يتضمن كامل ذمته المالية، بما فيها الأموال المنقولة وغير المنقولة، التي يملكها المصرِّح، أو زوجه أو أولاده القاصرون، وعلى هؤلاء أن يتقدموا بتصاريح الى رئاسة المجلس الدستوري، خلال مهلة ثلاثة أشهر بعد تعيينهم أو انتخابهم، وتصريحاً آخر بعد ثلاثة أشهر من انتهاء ولايتهم، أو انتهاء توليهم المنصب، أو انتهاء مدة انتخابهم.

والمطلوب اليوم البدء بتطبيق هذا القانون والقوانين الملحقة بما فيها قانون استعادة الأموال المنهوبة، وإنشاء هيئة قضائية عليا خاصة ومستقلة تكون ذات صلاحيات واسعة وتعمل على تطبيق القوانين الآنفة الذكر بعد رفع السرية المصرفية عن كل من تولى منصباً رسمياً بمفعول رجعي منذ ما قبل التسعينات حتى اليوم مع رفع الحصانة عن الرؤساء والوزراء والنواب، علماً بان لبنان لديه حالياً هيئة التحقيق الخاصة المُنشأة بالقانون 318/2001 وانضم مبادرة الـ”StAR”في العام 2009من ضمن اتفاقيّة مكافحة الفساد. لا بل يمكن استرجاع الأموال المنهوبة من الخارج كما حصل في بلدان عديدة، وكان آخرها استعادة تونس بعد الثورة مبلغ 29 مليون دولار من لبنان سبق ان أودعته في مصارفه ليلى طرابلسي زوجة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وبالتالي المطلوب إجراء تحقيق قضائي عبر هيئة التحقيق الخاصة التي أنشئت عام 2015 وتتبع هذه الأموال واستردادها عبر الاتفاقيات الدولية أو بواسطة الانتربول بعد صدور حكم قضائي بشأنها.

ولبنان ليس البلد الأول في تطبيق هذا المبدأ إذا حصل ذلك فعلاً، بل معظم الدول تلجأ الى هذا الخيار، حتى ان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنشأ هيئة تحقيق خاصة وجمع 264 أميراً ووزيراً وموظفاً كبيراً اتهمهم بالفساد في فندق الريتز في الرياض بدءاً من العام 2017 وأجرى مصالحات معهم وأحال بعضهم الى التحقيق واستطاع إرجاع مئة مليار دولار. كما ان الرئيس السوري بشار الأسد ورغم 8 سنوات من الحرب لجأ الى مصادرة أموال 150 شخصاً ممن اتهموا بالفساد وأقام الحجز الاحتياطي عليهم واستطاع إعادة 15 مليار دولار كانت كافية لجعل موازنة 2020 دون أي عجز يذكر. فهل يسير لبنان في حقل الألغام هذا مدعوماً من الحراك الشعبي أم ان هناك استحالة في تطبيق هذا الخيار طالما ان أهل الحكم هم الخصم والحكم.

محرر الشؤون اللبنانية- “البيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *