طرابلس… عاصمة الثورة ومنقذتها

هل كانت طرابلس مفاجأة الانتفاضة اللبنانية، أم ان التحركات الشعبية التي تعيشها منذ السابع عشر من تشرين الأول جاءت نتيجة طبيعية للتراكمات التي تعيشها ويعانيها البلد؟

يعترف الجميع من مراقبين محليين وأجانب ان طرابلس لعبت وتلعب دوراً أساسياً في انتفاضة اللبنانيين من أجل حقوقهم الأساسية. ويرى هؤلاء ان إطلاق اسم “عروس الانتفاضة” أو “عاصمة الثورة” عليها، أمر طبيعي لما قدمته من مشهد شعبي حضاري في يوميات هذه الثورة.

لقد جرت في الماضي القريب محاولات دؤوبة لتشويه صورة المدينة، وشارك أطراف في السلطة السياسية وفِي الإعلام في تجريمها وتقديمها على أنها عاصمة الاٍرهاب ومنبت للإجرام والخروج على القانون. والواقع ان المدينة لم ترتحْ منذ سبعينات القرن الماضي، حيث دفعت ثمن محاولات الهيمنة السورية ثم الصراع السوري الفلسطيني، فشهدت قيام كيانات تلبي تلك المحاولات ما لبثت ان زادت في مشاكلها الأمنية والاجتماعية، وتحولت أحياء فيها الى جبهات حرب يتم إشعالها عند حاجة الأطراف المذكورين. ومنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري تشعّبت وجوه الصراعات المفتعلة فيها، وتناسلت جولات القتال في إحيائها، وعندما عبّرت غالبية من أهلها عن تضامنها مع الشعب السوري في ثورته امتدت يد الإجرام ذاتها التي دمرتها في الثمانينات وفتكت بأهلها مرة أخرى في جريمة تفجير المسجدين.

لقد أدى هذا التاريخ المتوتر والحزين الى دفع المدينة بقوة الى حفرة الفقر والإهمال، وعندما كان ٣٠ في المئة من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر بلغ معدلهم في طرابلس ما يفوق الـ٥٧ في المئة، ولم تلق مطالب اَهلها الاستجابة من قبل الحكام. فبقيت مدينة مهملة لا مشاريع فيها، يعاني شبابها البطالة والعوز، ويتندر سكانها ان لا فندق فيها غير واحد لقضاء حاجات سياسييها في مناسباتهم، حتى أن هذا الفندق “اليتيم” أقفل أبوابه الى أجل غير مسمّى.

ما فعلته طرابلس كان الرد الحضاري الرائع على كل التاريخ الذي حاول أعداؤها رسمه لها. لم يتوقع أحد ان ينزل أبناؤها بهذه الكثافة الى ساحتها الكبرى لإعلان دخولهم لبنان الجديد من باب الثورة، ولم يترقب أحد هذا المستوى من الوعي والانتظام وتطهير الصفوف في تحرك جماهيري مستمر منذ ١٧ تشرين الاول، وهو يزداد ألقاً واتساعاً، ليجمع الشمال كله وليمتد محتضناً كل الساحات من الجنوب الى البقاع وبيروت والجبل.

هذه المدينة الرائعة بأهلها تستحق ليس فقط لقب عاصمة الثورة بل أيضاً منقذتها. ولا شك ان التحرك الذي واظبت وتواظب عليه، خصوصاً في يوم تقديم الرئيس سعد الحريري استقالته، في وقت ترددت بقية الساحات وبعضها أصيب بارتباك، قد دفع انتفاضة اللبنانيين الى الأمام، ولذلك ليست الفيحاء رافعة الثورة فقط بل منقذتها !

البيان”- خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *