لحظات تاريخية في أجندة طرابلس… فهل ستكمل المسيرة؟

منذ ما يقارب الشهر وثورة 17 أوكتوبر مستمرة والانتفاضة التي أطلقها الشعب في وجه السلطة الفاسدة تتفاعل فصولاً تارة بالتظاهرات وتارة أخرى بالحملات التوعوية والندوات والتي تحتضنها “خيم ساحة النور” والتي تلقي الضوء على المرحلة الراهنة وكيفية الخروج منها سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة جراء انعدام الدولار من الأسواق يقابله عدم قدرة المصارف على تلبية احتياجات الناس لجهة سحب الأموال منها.

بدايات الثورة

في 17 أكتوبر من العام الحالي انطلقت شرارة الثورة بسبب الضرائب الجديدة والتي فرضت على المواطنين ومنها الضريبة على الواتساب والتي تعتبر “القشة التي قصمت ظهر البعير” فنزل المواطن في كل المناطق اللبنانية الى الشارع ومنها مدينة طرابلس التي بدأت تحركاتها من ساحة النور هذه الساحة والتي احتضنت كل التظاهرات على مدى سنوات طويلة، فكان حري بها أن تحتضن اليوم “ثورة الفقر والجوع”.

الاعتصامات الاحتجاجية بدأت بقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة من قبل عدد من المحتجين، إضافة الى قطع كل مداخل المدينة وتقطيع أوصالها وسط تدابير أمنية مشددة من قبل عناصر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الاحتجاجات طالبت باستقالة الحكومة وإعادة النظر بالضرائب الجديدة، هذه المطالب والتي بدأت تستقطب العديد من المواطنين الذين راحت أعدادهم لتزداد في الساحة، الأمر الذي دفع بالنائب السابق مصباح الأحدب للحضور ومشاركة المحتجين وقفتهم الاحتجاجية والذين رفضوا بدورهم مشاركته، الأمر الذي أدى الى إطلاق النار من قبل مرافقيه على المتظاهرين فكانت المحصلة 7 جرحى وقيام عدد من المحتجين بتكسير كاراج الأحدب في منطقة التل واحراق سيارته التي كانت مركونة أمام منزل الأحدب في منطقة المعرض، فضلاً عن محاصرة منازل السياسيين مما تتطلب تدخلا من قبل عناصر الجيش.

وفي اليوم الثالث، عادت أجواء الاحتجاجات للساحة مع بث الأغاني الوطنية وإطلاق الهتافات المنددة برموز السلطة الفاسدة.

انتفاضة… وثورة

الانتفاضة بدأت تأخذ شكل الثورة بعدما بدأت الجمعيات الأهلية والمدنية في المدينة ونقابات المهن الحرة تنضم الى الساحة للمشاركة بالانتفاضة، كما وكان لدخول حراس المدينة أبلغ الأثر في إشاعة التنظيم بعدما أخذت الأعداد في الازدياد مما دفع بالعديد من أصحاب المطاعم في المدينة الى تقديم الوجبات للمحتجين، فضلاً عن المؤسسات والشركات التي راحت لتتبرع أيضاً بالمساعدات العينية كل ذلك في سبيل دعم صمود المحتجين والذين يثورون اليوم على أوضاع مزرية لم يعد بمقدور أي فئة في المجتمع تحملها، وحده السياسي يعيش ويتمدد بثرواته فيما المواطن يقبع تحت نير الفقر والعوز، حتى التجار والذين كانوا يشكلون في السابق القسم الأكبر من الطبقة الوسطى باتوا يقبعون تحت ضغط أوضاع صعبة قد تقضي عليهم في أي لحظة وهم لطالموا حذروا الدولة من إقفال مؤسساتهم فيما لو لم يكن هناك حلول جذرية، كل ذلك يفسر الاندفاع الكبير لكل التجار في المدينة نحو دعم “الانتفاضة” التي بدأت تتحول الى ثورة نظراً لأعداد المحتجين ليس فقط في طرابلس وإنما في كل ساحات لبنان والفضل في هذا الازدياد إنما في الحقيقة يعود “للخطابات السياسية ” والتي أطلقها بداية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ومن ثم رئيس الحكومة سعد الحريري فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والتي لم تنجح في وضع الإصبع على الجرح إنما تحدثت بشكل فضفاض لم يأخذ في الحسبان الأعداد الكبيرة للمحتجين”.

ساحة النور تحتضن كل لبنان

في مشهدية قلّ نظيرها فإن ساحة النور في طرابلس ضمّت أبنائها من كل الأحياء والشوارع والمناطق، واحتضنت أحبابها من كل الأقضية الشمالية عكار المنية زغرتا الضنية الكورة، بل وحتى من كل الأراضي اللبنانية صيدا وصور وجل الديب والأشرفية والجبل والهرمل والبقاع، باختصار هي احتضنت كل الطوائف بمنأى عن السياسيين الذين جعلوا منها صندوق بريد تارة بالطائفية، وطوراً بالمناطقية وفقاً لمآربهم الشخصية.

نجحت ساحة النور في أن تستقطب في أحد الأيام من وقفاتها الاحتجاجية أكثر من 50 ألف محتج فاضت بهم الساحة وتوزعوا على كل المسالك المؤدية اليها فاستحقت لقب “عروسة الثورة” عن جدارة وهكذا بدأت رحلتها في عالم الإعلام الذي راح لينكب على تغطية وقفاتها الاحتجاجية يومياً سيما خلال ساعات الليل، والطريقة التي بدأت تحيي من خلالها أجمل السهرات الوطنية الجامعة، فبدت طرابلس بأبهى حلتها وتمكّن من استعادة صورتها الحقيقية صورة العيش المشترك، فكانت طرابلس مدينة السلام، وهو ما دفع بالفنان محمد الأبرش للتبرع برسم العلم اللبناني على المبنى المهجور في الساحة والذي ترك مهملاً لسنوات طويلة دون أن تنجح أي سلطة في اعادة تأهيله أو استخدامه كمركز مهم عند مدخل المدينة، هذا المبنى الذي يتضمن المنصة التي تدير الثوار، فضلاً عن كتابة “طرابلس مدينة السلام”.

وعلى جانبي الساحة وضعت الخيم والتي يعود تنظيمها لجمعيات ونقابات ومهتمين بأمور الثور ومنهم أيضاً طلاب الجامعة اللبنانية، مهمات هذه الخيم ادارة الندوات واللقاءات الحوارية والتوعوية والتي من شأنها تقديم كل ما يلزم من معلومات للشباب المشارك بها للخروج من الأزمة الراهنة.

“كلن يعني كلن”

ويوماً بعد يوم بدأت “عروس الثورة” تشق طريقها نحو العالمية وليس فقط على صعيد الوطن، وبدأت حناجر المحتجين تصدح بالهتافات “كلن يعني كلن” والتي رددوها دون الاكتراث لا لاستقالة وزراء القوات ولا للورقة الإصلاحية التي أطلقها الرئيس الحريري ولا للغة الترهيب والتهديد والتي أطلقها السيد حسن والذي جزم بأن تحركات الشارع لا تسقط العهد مؤكداً أن الحكومة باقية، فأتى الرد قاسياً من الشعب كما والرئيس الحريري والذي تقدم باستقالته على أثر ضغط الشارع فظن البعض بأن العاصفة هدأت، وأصداء الثورة خفتت، فإذا بساحة النور تعيد للثورة وهجها وألقها وتنير كل الساحات بأصوات المحتجين فيها والذين تزايد عددهم بعد استقالة الرئيس الحريري وعادوا ليهتفون “كلن يعني كلن” كتأكيد على المطالب التي أطلقوها.

طرابلس تنتصر على شائعات طالتها

لقد أثبتت طرابلس انها رائدة الثورة وأنها مدينة الوطنية الحقة والتي يتوق أهلها الى حياة كريمة تبعد عنهم مخالب البؤس والحرمان والفقر، الأهالي يؤكدون أنهم ثوار حقيقيون يتطلعون الى بناء دولة قادرة بعيداً عن كل الاصطفافات الحزبية، فنجح الشعب حيث فشل السياسي من خلال الاجتماع بسلسلة بشرية من كل الأطياف والمذاهب، فكانت صرخة مدوية أطلقها المحتجون بسلسلة امتدت من الشمال مروراً ببيروت وصولاً حتى صيدا وصور، والملفت أن هذه السلسة والتي تحتاج لأيام وليالي من التنظيم أتت بساعات عبر منظمين نشروا عبر شبكات التواصل حاجتهم لأكبر عدد ممكن من المواطنين وبالفعل كان لهم ما أرادوا فتوحد الشعب اللبناني، كما كافة أطياف المجتمع الطرابلسي “يد الغني بيد الفقير، ويد ابن التبانة بيد ابن جبل محسن” كل هذا والسياسي بعيد كل البعد عن المشهد وكأنه بات خارج مدينة طرابلس لا يمكن رؤيته أو حتى سماع صوته”.

أمطار… واصرار

أمطار غزيرة هطلت على مدينة طرابلس، بيد أنها لم تثن الشعب عن الوقوف وإن تحت مظلاتهم قحيث ضوا النهار والليل وهم يرددون الشعارات ويطلقون الهتافات تحت راية العلم اللبناني وأعلام الجيش، وبدأ التحول نحو المؤسسات الرسمية والخاصة حيث كان يتوجه صباحاً عدد من المحتجين ويقفلون أبواب المالية ومصلحة المياه والسنترالات، وشركة قاديشا والمصارف وهم يرددون “ضبوا الشنتات يللا على البيت”.. ولأن الطلاب انضموا إليهم فكان لا بد من أن يهتفوا “لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس”، وفي هذا تأكيد على أن المحتجين لم يكتفوا باستقالة الرئيس الحريري، كما يشاع لدى البعض، بل ان الثورة مستمرة وهي “سلمية سلمية ثورتنا سلمية”، “ما بدنا زبالة ما بدنا أكياس بدنا حكومة متل الناس”، “28 و100 كلّن قرطة حرامية”، “بالفساد والضرايب الدولة عاملة عجايب”… هي شعارات بحّت معها حناجر الشباب والصبايا يومياً على أبواب الدوائر الرسمية بهدف شل الحركة والضغط على السياسيين لتشكيل حكومة تكنوقراط مهمتها الدعوة الى انتخابات مبكرة تسعى الى إخراج الرئيس الحالي وانتخاب رئيس جديد ينقذ البلاد والعباد.

ثورة شارفت على نهاية شهرها الأول، وهي بفضل الله لم تشهد أي خلل أمني يذكر بالرغم من الأعداد الكبيرة والتي تتوافد يومياً الى ساحة الثورة، لكن بالطبع الطريق طويلة ودونها الكثير من المخاطر والعقبات. فهل ستكمل طرابلس تألقها وتجتاز محنة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً وتعبر الى بر الأمان؟ سؤال برسم الأيام وربما الأشهر المقبلة؟!

تحقيق: روعة رفاعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *