طرابلس عروس “الميمات”.. هل تنصفها الثورة؟

لفتت طرابلس أنظار لبنان والعالم أجمع بثورتها، بعدما حافظت منذ إنطلاقها في 17 تشرين الأول الفائت على سلميتها ورقيها وحضارتها التي تجسدت في ساحة عبد الحميد كرامي (النور) عبر “سمبوزيوم” قدم من خلاله الفنانون التشكيليون رؤيتهم للثورة وللمطالب المحقة، والخيم التي شهدت حراكاً ناشطاً تخلله محاضرات وحوارات وتبادل أفكار يومية، إضافة الى الساحة التي تضيق يومياً بالمواطنين الذين يقصدونها من كل الأقضية الشمالية والمناطق اللبنانية فيهتفون للثورة ويرفعون الأعلام اللبنانية دون سواها، ويتفاعلون مع بعضهم البعض في مشهدية وطنية غير مسبوقة منحت طرابلس لقب “عروس الثورة”..

ربما تأخر اللبنانيون في اكتشاف حقيقة طرابلس التي عملت تيارات سياسية مختلفة على إلباسها لسنوات عدة قناعاً ليس لها، بهدف تشويه صورتها والإساءة الى سمعة أهلها، وإظهارهم بأنهم جماعات من الإرهابيين غير القادرين على التعايش مع محيطهم، وذلك من أجل تحويل مدينتهم الى صندوق بريد وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية تارة بالحديد والنار وتارة أخرى بالحرمان والإهمال.

أكدت طرابلس بما لا يقبل الشك على مدار أيام الثورة، بأنها مدينة السلام والعيش الواحد والأمن والاستقرار والانفتاح والشراكة وقبول الآخر، وأن كل ما كان يشاع عنها وتحاول بعض وسائل الاعلام إظهاره لا يمت الى حقيقتها وحقيقة أهلها بصلة، كما أكدت أنها عماد الوطن وعاصمته الثانية ونبضه القوي في أي حراك مدني أو شعبي، خصوصاً أنه عندما كانت ثورة بعض المناطق تهدأ أو تفتر همتها، كانت تعود لتستمد عزيمتها من الفيحاء التي لم تتعب ولم تتوقف عن الحراك بأشكاله الحضارية المختلفة.

يقول متابعون أن طرابلس ما بعد الثورة لن تكون كما قبلها، خصوصاً بعدما اكتشف اللبنانيون حقيقتها وطيبة معشر أهلها، الأمر الذي سيشجعهم على زيارتها والاطلاع على المعالم الأثرية والسياحية فيها، وتذوّق مأكولاتها الشعبية والحلويات التي تشتهر بها، ما قد يساهم في تحريك العجلة الاقتصادية والتجارية فيها، لكن على صعيد الحرمان والاهمال، فإن ما قبل ما زال يشبه ما بعد، إذا لم تبادر الحكومة الجديدة الى إنصاف طرابلس وتنفيذ المشاريع الملحة فيها، وإعطائها حقوقها على كل المستويات لا سيما على صعيد حصتها من أموال الدولة والتعيينات وحضورها في الإدارات العامة، لذلك فإن ثورة طرابلس من المفترض بعد تشكيل الحكومة أن تنتزع حقوقها، وأن تمنع أي كيدية سياسية تجاهها، خصوصاً من المتضررين اليوم من حراكها وثورتها، والحؤول دون معاقبتها على مواقفها السياسية، علماً أن هذا العقاب كانت طرابلس تلمسه من خلال تعاطي السلطة السياسية معها، وكان آخره إقفال فندق كواليتي إن والمماطلة في إرسال ملفه الى دائرة المناقصات لاجراء مزايدة أمام الشركات العالمية لاعادة تشغيله، كونه لا يجوز أن تفتح طرابلس ذراعيها للزوار الذين من المفترض أن يتوافدوا إليها والفندق الوحيد فيها مقفل وغير قابل للحياة.

لا يختلف إثنان على أن طرابلس هي “عروس الثورة”، لكن أبناء طرابلس لا يأبهون كثيراً لهذه التسميات خصوصاً أنهم يعرفون أنفسهم جيداً، وأنهم منفتحون على كل المناطق، ويمارسون شعائرهم الدينية والوطنية على حد سواء، لكن ما يريده أبناء المدينة أن تكون طرابلس عروس “الميمات” لمحاربة حرمانها المزمن وإهمالها المتعمد من قبل السلطة السياسية التي كان واضحاً أنها تسعى الى الانتقام منها عبر إفقارها.

لذلك، لا يجوز بعد الثورة أن يبقى مرفأ طرابلس في دائرة المحاربة وتصفية الحسابات معه من خلال إطلاق الشائعات التي تقوّض إنطلاقته، بل على السلطة أن تسارع الى الاهتمام به، والى إيجاد صيغة تكاملية بينه وبين مرفأ بيروت، واستكمال المشاريع الخاصة به، بما يساعد على تكون طرابلس ثغراً لبنانياً على المتوسط يمكنها أن تساهم في إعادة إعمار سوريا نظراً لعوامل الجذب التي يتمتع بها المرفأ وللإمكانات الكبيرة التي يختزنها على أكثر من صعيد.

لا يجوز بعد الثورة أن يبقى معرض رشيد كرامي الدولي معطلاً ومهملاً، بل يجب على السلطة أن تسارع الى ترميم وتأهيل منشأته وإعادة تشغيله بما يتناسب مع تحفه المعمارية والاستفادة من كل المنشأت في جذب العديد من المشاريع لا سيما على صعيد إقامة المدينة التكنولوجية، والمتحف اللبناني وتحويل الدوم الى مسرح وإستديو عالميين، وإستضافة المؤتمرات في قاعته المجهزة لذلك، وتطبيق قرار حصرية المعارض فيه والصادر قبل نحو عشرين عاماً.

لا يجوز بعد الثورة أن يبقى مطار الشهيد رينيه معوض في القليعات مقفلاً وهو الذي يستطيع أن يلعب دوراً مكملاً لمطار رفيق الحريري الدولي للتخفيف من الازدحام، إضافة الى إمكانية استخدامه للشحن الجوي ونقل الخضار والفواكة التي ينتجها سهل عكار والأقضية الشمالية الى كل الخليج العربي والدول الأوروبية.

لا يجوز بعد الثورة أن تبقى المنطقة الاقتصادية في علم الغيب، بل يجب أن توضع روزنامة واضحة لها، حول انتهاء الأعمال فيها، ومباشرة عملها، خصوصاً أن طرابلس تضع أهمية كبرى على هذه المنطقة كونها المنطقة الوحيدة في لبنان والتي من المفترض أن تستقطب كل الشركات العالمية.

لا يجوز بعد الثورة أن يبقى الملعب الأولمبي ثكنة عسكرية متصدّعة، بل من المفترض أن يصار الى إعادة تأهيله واستخدامه في دعم الحركة الرياضية.

لا يجوز بعد الثورة أن تبقى مصفاة طرابلس مجرد خردة، خصوصا بعدما تم الإعلان أن التنقيب عن النفط سيبدأ في غضون أشهر قليلة، ما يتطلب ورشة سريعة لإعادة تفعيل وتأهيل وتشغيل هذه المصفاة التي تشهد إدخال موظفين من دون إنتاج لحسابات طائفية وسياسية.

وأخيراً لا يجوز بعد الثورة أن تبقى محطة السكة الحديد أثراً بعد عين، خصوصاً أن تطوير المرفأ وإنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة، وتشغيل مطار القليعات يجب أن يرتبط بإطلاق القطار الذي يربط طرابلس بسوريا وتركيا وعبرهما الى الدول الأوروبية، في وقت ما تزال فيه طرابلس تنتظر أن تنفذ المشاريع المتعلقة بتشغيل القطار الذي يساهم بشكل فعال في إعادة إحياء إقتصاد المدينة وحركتها التجارية.

يعلم القاصي والداني أن طرابلس هي مدينة “الميمات” (مرفأ، معرض، مطار، منطقة إقتصادية، ملعب أولمبي، مصفاة، ومحطة سكة حديد) وهذه المرافق قادرة على النهوض بلبنان ككل من طرابلس، وأن تساهم في تعزيز خزينة الدولة، لذلك فإن طرابلس هي عروس الثورة اليوم لتكون عروس لبنان وإقتصاده وتجارته مستقبلاً، خصوصاً أن موقعها الجغرافي وإمكاناتها الحيوية والبشرية تجعلها مؤهلة لأن تلعب هذا الدور الذي تتطلع إليه منذ زمن بعيد، وهي تأمل أن تصل إليه، وأن لا يذهب كل هذا التعب وكل هذه الآمال سدى، خصوصاً أن طرابلس عبر التاريخ اعتادت على أن تكون شريكة في الغرم، وأن يتم استثناءها عند حصول الغنم، وهذا الأمر لم تعد تقبل به، وستواجهه بكل قوة بعدما انكسر حاجز الخوف.

محرر الشؤون الطرابلسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *