الربيع اللبناني انطلق… وانتفاضة الشعب أرعبت أركان السلطة

من كان ليصدق أن الشعب اللبناني سينتفض على أوضاعه المعيشية والاقتصادية والمالية وسيعلن الثورة على السلطة السياسية التي إستباحت كل شيء وعمدت على مدى عقود من الزمن الى نهب المال العام وإرساء منظومة الفساد والمحاصصة الطائفية والمذهبية ووضع اليد على كل مرافق الدولة. فاجأ اللبنانيون العالم بإنتفاضتهم في 17 تشرين الأول حيث نزل الملايين من المواطنين في كل ساحات الوطن موحدين للمرة الأولى تحت راية علم وطنهم، خالعين عنهم أثواب الطائفية والمناطقية والمذهبية، يطالبون بصوت واحد هذه الطبقة السياسية الفاسدة بالرحيل، وبسلة كبيرة من المطالب المعيشية المحقة التي تعتبر في كل الدول من أبسط حقوق المواطن. اعتبرت هذه الطبقة السياسية أن هذا الشعب قد دجِّن وقسِّم بإسم الطائفية وأنه لن يخرج من تحت عباءة زعيم الطائفة أو الحزب أو التيارات السياسية ، لكنه ومع فجر 17 تشرين الأول انتفض وما يزال معلناً إنطلاق الثورة وبداية الربيع اللبناني.

وهنا يستوقفنا السؤال التالي: ما هي المتغيرات التي أدت الى انطلاق شرارة الربيع اللبناني في هذه المرحلة بالذات؟

إلتقت “البيان” بباقة من الأساتذة الجامعيين وتناولت معهم انتفاضة الربيع اللبناني في محاولة لفهم مسار المتغيرات التي أدت الى إنتفاضة الشعب ونزوله الى الشارع  والإصرار للمرة الأولى على توحيد الصف والمطالب كما نسمع ونشاهد منذ أكثر من 25 يوماً.

دور بارز للمجتمع المدني والجمعيات غيرالحكومية

في المحطة الأولى، توقفنا مع الدكتور بشير مواس الذي انطلق في حديثه معنا قائلاً: “كنا نقول إن تركيبة لبنان الطائفية من المستحيل أن تقوم بعمل وطني موحد من شماله الى جنوبه، لكن ما ثبت لنا أنه من الممكن أن يحصل هذا الأمر، ومن الممكن أن يلتف اللبنانيون حول مطالب موحَّدة تجمعهم حينما يصل بهم اليأس لحد فقدان الأمل بأي مبادرة إصلاحية من قبل النظام والدولة. في بداية الانتفاضة كنا نسمع بعض المشاركين في الاعتصامات والتظاهرات يردّون على أسئلة الصحافة قائلين: كلن فاسدين إلا زعيمي خط أحمر. وحين يسألونهم إذا أعيدت الإنتخابات من ستنتخبون يردون سننتخب نواب أحزابنا. هذه الصورة تعكس حاجة اللبنانيين الى المزيد من الوقت ليقتنعوا أن لا خلاص لهم إلا الخروج عن هذه الإصطفافات. كما إن للمجتمع المدني وللجمعيات غيرالحكومية دوراً أساسياً في هذه الإنتفاضة. هناك آلاف من الشبان اللبنانيين يعملون في تلك الجمعيات التي تعنى بالشؤون الإنسانية وأمور النازحين يتعلمون من خلال عملهم المطالبة بالحقوق. هذا الأمر قد أسهم في عملية الإنتفاضة ورأينا انعكاساته وبصماته بشكل كبير. كما أن المشاركة الكثيفة من قبل الطلاب والطالبات من المدارس والجامعات نفخت الروح في هذه الانتفاضة. مضى على استقالة الحكومة أكثر من أسبوعين تقريباً، لم يدعَ أحد الى عقد إجتماعات طارئة. إن بدعة التأليف قبل التكليف لا تحصل إلا في لبنان.سيفعلون المستحيل كي يلتفوا على هذه الإنتفاضة. لكن الناس اليوم أصبحت متيقظة ومدركة لألاعيبهم، ومطالب المنتفضين واضحة وأولها تشكيل حكومة من عناصر موثوقة بعيدة عن الوجوه السياسية الحالية، ويريدون قانوناً إنتخابياً عصرياً يعكس حسن التمثيل. “

الإنتفاضة فرصة ذهبية لن يستفاد منها

أما في المحطة الثانية، فلقد توقفنا مع الدكتور شفوق مراد الذي علق قائلاً: “تفاءلت خيراً حين شهدت هذه الإنتفاضة. ما حصل هو دليل وعي بالدرجة الأولى ودليل وجع يوحد كل مواطن في كل المناطق. امتدت الإنتفاضة من الشمال الى الجنوب وشارك فيها كل اللبنانيين على اختلاف انتماءتهم الطائفية والمذهبية والمناطقية. وما ميّزها أنها وُلدت بحركة عفوية وبدأنا نشهد قطع طرقات واعتصامات ومظاهرات نادت جميعها بتغيير النظام لأن الجميع أصبح مقتنعاً أن الأمور ما عادت تحمل أي تأجيل في إيجاد حلول ناجعة من قبل السلطة اللبنانية. لم يتحرك أحد من أركان الدولة بعد مضي أكثر من 25 يوماً على هذه الإنتفاضة. تقدم رئيس الحكومة باستقالة حكومته ليشعر الناس أن هناك مطلباً واحداً من مطالبهم قد تحقق. مع الأسف، لم نشهد أي خطوات استكمالية بعد استقالة الحكومة. ما يطالب به الشعب حقوق مكتسبة وليست مطالب تعجزية. إنها تعتبر بديهيات في أي بلد آخر. وصلنا الى واقع ضبابي لا ندرك كيفية الخروج منه. نحن أصبحنا مقسومين بين طبقتين: الأغنياء والفقراء وانسحقت الطبقة المتوسطة. الإنتفاضة فرصة ذهبية لن تستفيد منها الطبقة السياسية لكي تبنى بلد بكل معنى للكلمة.”

اللبناني لم يعد يريد دفع ثمن فسادهم

أما في محطتنا الأخيرة، فقد توقفنا مع الدكتور زياد كوسا الذي أجاب على تساؤلنا قائلاً: “”إطلاق تسمية الربيع اللبناني على ما يجري على كافة مساحة الوطن هو توصيف صحيح لما يحصل. يبقى للربيع اللبناني نقاط قوة ونقاط ضعف. من أهم نقاط القوة فيه أنه انفجر بطريقة عفوية وأتاح لكل فقير وجائع ومتعب وصاحب مطالب ومواطن يائس، أتاح لهم النزول الى الشارع ليعبّروا عن مطالبهم المعيشية وعن رأيهم في الطبقة السياسية الحاكمة والمتحكمة بهم. إن نزول ملايين المواطنين الى الشارع مطالبين بإسقاط رموز النظام والحكومة والتغيير الحقيقي واستعادة الأموال المنهوبة سبّب ضغطاً كبيراً على السلطة الحاكمة. أما في خصوص نقاط الضعف التي يمكن أن تسمح للسلطة الحاكمة من الإلتفاف حول هذا الربيع اللبناني والإنقضاض عليه، هو افتقاره الى قيادة ديمقراطية لديها استراتيجية موحدة وواضحة حول مطالب الشعب المنتفض في الشارع. إن الثورة تعني تغيير هيكلية النظام ووضع دستور جديد. لهذا أعتقد أن ما يجري على الأرض اللبنانية منذ أكثر من عشرين يوماً ينطبق عليه توصيف إنتفاضة. ما دفع باللبنانيين الى النزول الى الشارع هو حاجتهم لتلبية مطالبهم الإقتصادية والمعيشية. منذ فترة والبلد يحضر الى تقبل موازنة تعتمد على استدانات جديدة مع بقاء الفساد المستشري في الطبقة السياسية الحاكمة. لم يعد المواطن يريد أن يدفع فاتورة الفساد من جيبه، وما حرّك الشارع هي مطالبه الإقتصادية والمعيشية.”

تحقيق: كارينا أبو نعيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *