“كلن يعني كلن” وماذا بعد؟

بقلم الدكتورة زهيدة درويش جبور

فاجأت ثورة 17 تشرين الكثيرين، وأنا منهم، وكنت قد بلغت من الإحباط واليأس ما جعلني أعتقد أن لا قيامة للشعب اللبناني الذي تعود على التبعية والاستكانة حتى لأصبح كقطيع يساق يومياً الى الذبح وهو مستسلم لقدره. خطأي ربما أنني لم أعرف هذا الشعب على حقيقته ولم أدرك أن لديه قدرة فائقة على الصبر والتحمل والتأقلم، ولكنه وقبل كل شيء على قدر كبير من الإحساس بالكرامة. لعل أحد الأسباب المباشرة لانتفاضته هو شعوره بالذل يومياً على الطرقات في ظل أزمة سير عمرها سنوات، وشعوره بانتهاك حقه في بيئة نظيفة في ظل أزمة نفايات مستعصية قصداً فيما الحلول متوافرة ويعرفها كل الخبراء الذين لم تعرهم السلطة أذنا صاغية، وشعوره  باستهزاء المسؤولين وضربهم عرض الحائط الرأي العام بعد أن أصبحت أخبار صفقاتهم المشبوهة وسمسراتهم وسرقاتهم معروفة للجميع وهم يزايدون بعضهم على بعض بالفساد بكل وقاحة ليقينهم بانعدام المحاسبة. كما أن اضمحلال الطبقة الوسطى وبلوغ نسبة الفقر درجة عالية في وقت تُستعرض فيها الثروات والبذخ بكل فجور قد زاد من تعميق الهوة بين الفئات الاجتماعية إضافةً الى ارتفاع نسبة الشباب العاطلين عن العمل وقسم كبير منهم هم من حملة الشهادات الجامعية، وبالتالي، ممن لديهم الوعي الكافي لواقع البلد المتردي. كل ذلك يجعل من الخطأ الاعتقاد أن الانتفاضة هي وليد الصدفة أو أنها كما يحلو للبعض، سواء عن نية حسنة أو سيئة، نتيجة مؤامرة تحبكها أيادٍ خفية.

للثورة إذن أسباب اجتماعية واضحة ويخطئ من يسعى الى تسييسها أو أن يضع الحراك في مواجهة مع فريق سياسي معين أو في صف هذا الفريق أو ذاك. المفاجأة الأكثر من سارة في الثورة-الانتفاضة-الحراك (على تنوع التسميات) هي درجة الوعي المواطني التي تجلت عند شابات لبنان وشبانه، هذا الجيل الذي فعلا “قتل الآباء” بمعنى أنه تحرر من منطق الطائفية والعشائرية والتبعية الذي تحكّم بلبنان على مدى عقود، فانتفض على زعماء الطوائف “كلن يعني كلن” مطالباً بالدولة المدنية العادلة وبمحاكمة الفاسدين كل الفاسدين وباسترجاع الأموال المنهوبة، وبتغيير الطبقة الحاكمة كلها، محدداً الخطوات لبلوغ الهدف والتي أصبحت معروفة – استقالة الحكومة، تشكيل حكومة من خارج الاصطفافات السياسية والوجوه المعهودة تتمتع بصلاحيات استثنائية، إجراء انتخابات نيابية مبكرة تبعاً لقانون جديد خارج القيد الطائفي، انتخاب رئيس جمهورية جديد-.

الطريق بالطبع شائك وصعب لأن النظام اللبناني ثابت الجذور ولأن أهله متضامنون متكافلون وإن اختلفوا إذ أن المصلحة المشتركة تجمعهم دائماً. الهوة كبيرة جداً بين الدولة والشعب، بين نظام لا يزال في القرن التاسع عشر وجيل شاب دخل القرن الحادي والعشرين من الباب الواسع. هؤلاء الشباب (شابات وشبان) يستحقون أن يسهموا في بناء وطنهم بينما هم في الواقع مهجرون قسراً بحثاً عن العيش الكريم، هؤلاء الشباب هم الكفاءات التي يستبعدها حكم يقوم على الفئوية والمحاصصة والزبائنية والاستتباع. هؤلاء الشباب يعلنون تمسكهم بالوطن ورغبتهم ببنائه كما يشتهون. حذار من خيانتهم وسرقة حلمهم.

لقد استطاع أهل النظام سرقة ثورة 14 آذار التي لم يكن هدفها فقط إخراج الجيش السوري من لبنان بل كان أبعد من ذلك إذ أن المنتفضين كانوا يشعرون بأنهم على عتبة ولادة لبنان جديد لطالموا حلموا به. لكن الانتفاضة أجهضت وانكسر الحلم…

وهاهو اليوم “لبنان الكرامة والشعب العنيد” يضيء شعلته في الساحات والشوارع فلا تطفئوها بإيقاظ النعرات المذهبية والطائفية فتلك خيانة لن يغفرها لكم التاريخ. إن السلطة تراهن على الانتماءات الفئوية علينا أن لا ندعها تربح الىرهان وأن نثبت بالفعل والموقف صدق الشعارات التي صدحت بها الحناجر في الساحات معلنة التحرر من الطائفية البغيضة ووحدة الشعب المتطلع الى غدٍ أفضل.

في الختام لا بدّ من التوقف عند الدور الرائع الذي لعبته نساء لبنان أمهات وزوجات وشابات وعاملات في الحقل الاجتماعي ومناضلات في المجتمع المدني كلهن قدمن أجمل صورة للمرأة اللبنانية الواعية، المتحررة، الشرسة في الدفاع ليس فقط عن حقوقها بل عن كرامة وطنها وشعبها.

لكل هذه الأسباب أقول لدينا أمل… لكل هذه الأسباب أعلن اعتزازي بالانتماء الى الشعب اللبناني، وفخري بهويتي اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *