الزهايمر بين العاقل والباطل

من الشائع أن الدكتور “زهايمر” هو مكتشف المرض المسمّى باسمه، والحقيقة أن الطبيب الحاذق كان قد درس وبرع وأعطى من خلال ملاحظاته العلمية وربما استفاض في الأسباب والمعالجة المتواضعة لمرض مستفحل، والصدق يسورنا لننطق حقاً في سرد المعلومة، فهذا المرض” الزهايمر” هو مرض الخرف والخرف المُبكر، والكل صار على معرفة بتفاصيل المرض وما تؤول إليه أحوال المريض.

غير أن السطوع الإعجازي أن مرض “الزهايمر” قد أتى خبرُه بالقرآن الكريم بطريقة واضحة جليّة أي منذ سحابة قرن ونصف من الزمن الهارب من حياة الدنيا وعمرها، فالآية الكريمة بنصها تقول: “واللهُ خَلقكُم ثمَّ يتوفّاكمْ ومِنكم منْ يُرَدُّ إلى أرذلِ العُمُر لكي لا يعلَم بعدَ علمٍ شيئاً إنّ الله عليم قدير… صدق الله العظيم” بهذا التوصيف الرائع من لدن الخالق الذي يعلم تماماً تصاريف ما خلق ليأتي العلم الحديث مصدّقاً للتنـزيل مع إبحار رائع في جوانب الدماغ حيث أفتى كبار العلماء بأن كل الخلايا تتجدد حين تموت إلاّ خلايا الدماغ فلا سبيل حتى اليوم لإعادة انتشارها بعملها السابق فاكتفى الطب الحديث وانكبّ على عقاقير تحفظ ما تبقّى من الذاكرة حتى لا يدخل المريض بغيبوبة تمنعه من تذكر حاله وباله وأحواله والمحيط به، ونأمل أن ينجح العلم باستنباط البلسم الشافي المعافي لهذا الخرف الذي يصيب العاقل قسراً لا طوعاً، مع النصيحة بإتباع الرياضة الذهنية وعدم الإنكفاء والإعتكاف إذا تقدّم أحدنا بالعمر حتى يبقى ضمن دائرة المعلومة وإلاّ يكون خارج الحياة إلاّ روحاً وجسداً ينسى أحياناً آلية الشراب والطعام.

أما حديثنا عن “الزهايمر الباطل” فهذا الذي يلبسه البعض للهروب من الإستحقاق أو مجافاة العلاقات أو التملص من الوعود متسلحاً بعبارات ورثها عن مجتمع فيه البعض من الفارين عن جادة الصواب والحقيقة كأن يقول “هذا ما فعل بنا المشيب” “والكِبر عِبر” و”الحق على النظر“. هناك الكثير ممن يدّعي النسيان وهو الكذوب، وهناك الكثير ممن يغدقون علينا البرامج والوعود وحين الوصول إلى سدة المسؤولية فكلام الليل يمحوه النهار، وعند المطالبة بدين أو حق يلجأ للتهرب وأن “الزهايمر” قد بدأ يغزو حجيرات الدماغ.

وهذا هو الزهايمر الباطل، وهو ما ينطبق عليه فعلاً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان“.

بين “زهايمر العاقل” “وزهايمر الباطل” مساحة من جغرافية الأخلاق منهم من يرتديها فخراً ومنهم من يعتادها كذباً وكفراً.

علينا التأمل كثيراً في معاملاتنا والتأكد من سلامة الإختيار فهذا ديدن العاقل حتى لا يدخل في زهايمر الباطل.

فلك مصطفى الرافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *