الرجال…وتمكين المرأة الاقتصادي

للوهلة الأولى قد يبدو عنوان هذا المقال غير متسم بالواقعية، كوننا نعيش بزمن انخرطت فيه المرأة بسوق العمل، وتبوأت المناصب الحساسة، وتولت إدارة المؤسسات المختلفة، لا بل وصلت الى سدة الحكم وشغلت مناصب نيابية ووزارية ودبلوماسية، إلا ان كل ذلك لم يرقَ الى المستوى المطلوب وهذا يمثل ثغرة في جدار الديمقراطية، لأن المرأة التي باتت تشكل أكثر من نصف المجتمع لا زالت تواجه الإصرار على عدم إزالة الحواجز كاملة من أمامها باتجاه المشاركة السياسية الفعلية.

ولا تقتصر العوائق على المجال السياسي فحسب بل تتعداه الى الشأن الاقتصادي، بحيث نرى ان أكثر الفئات تهميشاً في هذا المجال هنّ نساء الطبقة الفقيرة والمعدمة واللواتي لم يتح لهن متابعة تحصيلهن العلمي، ولا زلن عرضة للاضطهاد بكافة أنواعه.

من هنا أتت أهمية التمكين الاقتصادي للمرأة صوناً لكرامتها وتحصيناً لها ضد الجوع والتسول والابتزاز والأعمال الشاقة، وكذلك دعماً لأسرتها وللناتج المحلي الإجمالي.

ان تعريف مفهوم التمكين الاقتصادي للمرأة هو التأهيل المهني الذي يتماشى ومتطلبات الاقتصاد مما يجعل المرأة عضواً فاعلاً بسوق العمل بشكل سريع ومنتج، ويكون لهذا الانتاج التأثير الإيجابي ليس عليها فحسب بل على المجتمع ككل وعلى الاقتصاد الوطني عموماً.

وقد بدأ التداول بمفهوم التمكين الاقتصادي منذ حوالي 25 سنة، وقد قام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون- في إطار جدول أعمال 2030 لتنمية مستدامة والذي بدأ تنفيذه عام 2016- بتشكيل لجنة استثنائية لتغيير واقع المرأة وجعلها شريكاً مساوياً في عملية التنمية وصولاً الى كوكب النصف بالنصف عام 2030، وذلك من خلال تمكينها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعبر استنباط قدراتها وإمكانياتها وامتلاكها المشاريع، مما يعزز حضورها الفاعل بالمجتمع.

وبناء عليه فإن الجهات المانحة تمول برامج دعم وتمكين المرأة الاقتصادي بما يتلاءم مع أوضاعها الاجتماعية والثقافية، بحيث ينجم عن هذا التمكين فرص اقتصادية بإمكانها ان ترفع من المستوى المعيشي للمرأة وللأسرة على حد سواء.

ورغم كل الجهود المبذولة محلياً ودولياً لا زالت مشاركة المرأة في برامج التمكين الاقتصادي متدنية، ويعزو بعض المتابعين ان أهم أسباب ذلك هو عدم تشجيع الآباء والأزواج والأخوة لبناتهم ولزوجاتهم وأخواتهم، لا بل اعتراض الكثير منهم على تمكين المرأة اقتصادياً، وهذا مؤشر على غياب الوعي الاجتماعي لأهمية تطوير الحياة الاقتصادية للعائلة من خلال مساهمة المرأة في المدخول، ولأهمية اكتسابها الثقة بالنفس إنتاجاً واسثماراً في مشاريع صغيرة وكذلك القدرة على تسويقها، وبالتالي مرونة التعامل مع المجتمع الخارجي.

وإزاء هذا الواقع جرت عدة لقاءات وحوارات مفتوحة مع الناس، من أجل التنوير وإظهار أهمية التمكين، وقد كنت غير ذي مرة شريكة ومتحدثة في الكثير من هذه الاجتماعات التي لا زالت قائمة، والتي تشمل كل مناطق طرابلس، ولقد تبين لي من خلالها ان هناك فعلاً مشكلة حقيقية لا مجال للادعاء بعدم وجودها وهي تتمثل بعدم تشجيع الكثير من الرجال- رغم فقرهم وبطالتهم- لفكرة تمكين المرأة اقتصادياً تحت ذرائع مختلفة، ولعل أبرزها هي الافتراض المسبق لتقصير المرأة في واجباتها كربّة بيت أو تعرضها لمواقف مرفوضة اجتماعياً، أو وضعها نتيجة المساهمة المالية بموقع المتفوقة على الرجل الذي اعتاد بمفهومنا الشرقي ان يكون مصدر المال الوحيد للعائلة.

ان كل هذه الحجج الواهية تؤكد لنا ان ثقافة الفقر هي أخطر من الفقر نفسه لأنها تعيق التقدم في الحياة لتحسين ظروف المعيشة، ولأنها تجعل الفجوة كبيرة بين الطبقات الاجتماعية.

من هنا يتحتم على الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، وعلى المثقفين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى قادة الرأي العام في مجتمعنا وعلى خطباء المساجد، وهم الأكثر تأثيراً على مجتمعنا، إيلاء هذه المسألة أهمية قصوى، وذلك بغية نشر الوعي في صفوف الرجال وترسيخ فكرة ان مصطلح تمكين المرأة بأبعاده الحقيقية لا يعني سيطرة النساء على المجتمع بل جعلها منتجة ومشاركة إيجابية في المجتمع والأسرة.

ولا يسعني أخيراً إلا ان أتوجه بالشكر الى كل الجمعيات الكائنة في كل مناطق وأحياء طرابلس، التي استضافتنا وأتاحت لنا المجال للقاء الناس من خلال حوارات بنّاءة تنعكس إيجاباً على المجتمع لجهة تطوير الأفكار والقناعات وعرض برامج التدريب المتاحة حالياً، يضاف إليها الإضاءة على برامج التمويل القائمة لبعض المهن والحرف للنساء والرجال على حد سواء وخصوصاً لعنصر الشباب.

ليلى شحود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *