محمد الصفدي يبادر مجددًا

المراقب لـ”مركز الصفدي” في المعرض لا بدّ له أن يتوقّف على مرونة يبليها هذا الصرح إزاء أزمات واحتياجات طرابلس وإنما  برؤية شاملة وبعيدة المنظور تنطوي على الأثر المستدام في الإنماء والثقافة.

والمنعطف الحرج الذي تخضع له المدينة وكل لبنان لم يمنع محمد الصفدي بل ربما حفّزه ليجدّد التزامه حيال طرابلس. فدعا الاسبوع الماضي الى حلقة كانت بمثابة Agora طرابلسية انعقدت في “قاعة طرابلس” في مركز “مؤسسة الصفدي” بالمعرض، جمع وجوهًا عالية الكفاءة والخبرة وتمتلك سجلًا كبيرًا من إنجازات في شتى الميادين، اجتمعوا يتشاورون للبحث في مشاريع اقتصادية تساهم في إخراج الشمال من أزمته المزمنة.

والمراقب كذلك للدينامية العامة منذ انطلاق الانتفاضة، لا بدّ له أن يسجّل بأنّ مبادرة الوزير الصّفدي سبّاقة، وفي هذا السّبق غرابة لأنّ ثقل الأزمة يتفاقم منذ أكثر من أربعة شهور باطراد ماراتوني بدون أن تبادر فاعلية أو وجه عام واحد-ولا فضل لهم- بدعوة جدية الى لمّ شمل الكفاءات تحاول إنقاذ مدينة يلامس فقرها نسبة 50% منذ قبل الأزمة.

اللقاء منذ بدايته أظهر بأنّ محمّد الصفدي يريد تطويع خبرته في ملفّات وزّينة ضلع بها خلال تولّيه تباعًا وزارات الأشغال العامة والاقتصاد والمال، فتناول في كلمته الافتتاحيّة ثلاثة مشاريع يعتبر بأنّها تشكّل أولويّة فعالة لتحريك العجلة الاقتصادية في شمال لبنان وتأمين آلاف فرص عمل الشباب، تأتي في استيراد الغاز السائل وتغويزه، وإعادة العمل بسكك الحديد، وتفعيل مطار رينيه معوّض.

ولكن، هل بالإمكان تحريك أي اقتصاد مع كيان شطب طرابلس منذ عقود عن خارطته وترهلت مؤسساته وإداراته؟ ليس المجال لتسريب الأوجاع إنّما لتقديم البدائل وبالأخص في خصخصة المشاريع، لذلك فإنّ طرح الصّفدي يعطي إمكانيّة وضرورة تولّي الشركات الخاصة لمشاريع سكة الحديد والغاز والمطار. هذا التوجه يظهر أيضًا تمسّك رئيس مؤسّسة الصّفدي بخيار ابتعاده عن المعترك السيّاسيّ الّذي بدأ ينحو إليه منذ انتخابات 2018، ثم شكّلت تسميته غير البريئة لترؤس الحكومة الانتقالية بيضة القبّان الّتي يبدو بأنها زادته اقتناعًا باعتزال هذا الطريق بدون أن يعتزل قضايا طرابلس وهموم النّاس، الأمر الّذي أكّده مؤخّرًا في حديث لصحيفة لوريان لوجور جاء فيه أنّ “كلّ مواطن يجب أن يقوم بدوره في هذه المحنة، وإن الوقت هو للعمل وليس للكلام. وشدّد خلال مقابلته على أنّه يتمّ الإعداد لمشاريع أهدافها تنمية وتطوير طرابلس والشمال اقتصاديًا وخلق فرص عمل.” مثلما أكّد أنّ هاجسه الرئيسي مستقبل الشباب الذين يحتاجون الى تعليم وتمكين وفرص عمل.

اللقاء كان خطوة أولى لإيجاد حلول تشاورية، تليها آليات متابعة تنبثق عنها لجان لتحقيق هذه المشاريع الحيوية.

وبالتوازي مع إنشاء هذا الاقتصاد المنتج للوظائف، تكوّن هذه اللجان نواة ضاغطة لدى الحكومة لتيسير أو الإحجام عن قرارات تعترض اقتصاد الشمال طرحها محمد الصفدي على الطاولة، ليست تنتهي عند حصرية شركة طيران ميدل ايست التي تنقضي عام 2020 ويقتضي عدم تجديدها لأنه يتعارض مع تنشيط مطار القليعات.

في هذه المعالجة استشراف مستقبلي تنتهجه المؤسسة منذ عقدين، ترجمه مؤخرًا إطلاقها مركز للتدريب على أعمال الغاز والبترول في مركز المؤسسة للتدريب المعجل والذي يردّ على حاجات وشيكة الإلحاح سيظهرها إعادة الإعمار السوري وانكشاف خريطة الغاز في ساحلنا الشمالي.

وفي مبادرة الصفدي أيضًا أدوات جديدة وخلّاقة للفرص. لقد شهدت الولايات المتحدة ممارسات ناجحة لهذا النهج الذي عرف بالتنظيم المجتمعي ويقضي بتشكيل قوة من المجتمعات المحلية بالشراكة مع القطاع الخاص وقوة مطلبية أمام الدولة، حققت تغيرات اقتصادية عظيمة لدى حركة العمال المزارعين المهاجرين في كاليفورنيا، وحركة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ وغيرها.

طرابلس حقًا وفي كل وقت واليوم أكثر من أي وقت تحتاج أفعالًا بدلًا من الكلام. الانتفاضة خذلها حراكيّوها الّذين أضعفوا حظوظ الفرصة التغييرية من خلال خطوات عملية يترجمها على الأقل برنامج موحد، يخشى أن يحوّل غيابه هذه الثورة الى فورة.

لذلك تقضي الواقعية بتعليق آمال على مبادرة محمّد الصفدي المرشحة للتطور لأنها تمتلك الخبرة المؤسساتية والبوصلة وتحتضن الطّاقات المنوعة وتستهدف المقدرات المحلية ولديها آمال ضئيلة تقبض عليها بعسر ولكنها لن تسرّحها.

نعم التفاؤل قد يكون شبيهاً بمقارعة الطواحين لكنه خيارنا الباقي وأمامنا هذه الفرصة فلنقتنصها.

جودي الأسمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *