إلى متى “أرتال الذلّ”

لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث حالةً من الانهيار الاقتصادية، كحال هذه المرحلة الخطرة والحساسة. الليرة تنهار والقدرة الشرائية أصبحت شبه معدومة في ظلّ الغلاء الفاحش للأسعار، آلاف العمال طُردوا تعسفيًا من أشغالهم ومئات المؤسسات أغلقت أبوابها والأمن الغذائي أصبح مهددًا بكلّ ما للكلمة من معنى. أمّا السلطة التي تمادت على مدار عقود بسياسات مالية واقتصادية فاسدة كبّدت البلاد خسائر بالمليارات، يعيش اللبنانيون تحت وطأة الانهيار الكبير، فيما القلق يسيطر على يومياتهم وهم عاجزون حتّى بالحفاظ على مكتسباتهم واسترداد ودائعهم أو تحرير رواتبهم من المصارف.

في الواقع، يعيش القطاع المصرفي في لبنان أسوأ مراحل أزماته نتيجة الأزمتين السياسية والمالية، ما دفعه إلى تطبيق إجراءات قاسية ومخالفة للقوانين، ففرض قيودًا على أموال المودعين واحتجز أموالهم ظلمًا من دون وجه حقّ قانوني أو حتّى أخلاقي. ومنذ اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، وبعد تسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي والمصرفي، تحولت قاعات المصارف ومحيطها إلى ساحات لتنفيذ الاعتصامات وإطلاق الاحتجاجات والمطالبة بتحرير الأموال المواطنين المحتجزة، مقابل الإصرار الشعبي على استرداد الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج. فإلى متى سيستمر اللبنانيون بالوقوف في طوابير “الذل” أمام البنوك لتحرير مئة دولار من هنا وأخرى من هناك؟ وإلى متى ستبقى القيود مفروضة على حركة الأموال والتحويلات إلى الخارج؟ وإلى متى سيبقى التجار وأصحاب المؤسسات عاجزين عن شراء البضائع المستوردة وتسديد رواتب موظفيهم؟

حتمًا، لن يكون دواء لبنان بداء سلطته. وصل هذا البلد إلى قعر الهاوية من الإفلاس، وما نقمة اللبنانيين على القطاع المصرفي ورفع الشعارات ضدّ حاكمه رياض سلامة وإطلاق حملات “مش دافعين”، إلا ردّة فعلية طبيعية على مضي السلطة بابتزازهم وتدمير مستقبلهم وبيعهم وعودًا وآمالًا غير قابلة للتحقق. وفيما يستمر معظم أهل السلطة بالدفاع عن القطاع المصرفي الذي يملكون به أسهمًا عاليًة وحققوا من خلاله بالاختلاس والنهب ثروات طائلة، يستمع هذا الأسبوع القاضي علي إبراهيم إلى القيّمين على المصارف لسؤالهم عن الأموال المهرّبة. لكنّ هذه الخطوة قد لا تكون أكثر من خطوة شكلية وهشّة لامتصاص غضب الناس، في ظلّ غياب النصّ القانوني الصريح لهذا الاستماع، مما يعني أنّ “المحاسبة” الحقيقية لن تتحقق بمحاكمة الفاسدين وإنصاف المواطنين عبر استرجاع حقوقهم المنهوبة وأموالهم المحجوزة.

وبينما يشهد السوق الموازي على انفلات غير مسبوق، خسرت الليرة اللبنانية ما يفوق الـ30 في المئة من قيمتها، ولبنان يعجز عن إنتاج أقلّ حاجاته في الزراعة والصناعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، لتبقى الحاجة إلى الخارج وموارده، قدرًا متلازمًا لحياة اللبنانيين. كلّ هذه الأزمة، لا يمكن حلّها إن لم تترافق بسياسة جادة تسعى لإنتاج شراكة واضحة مع الناس في عملية صنع القرار. ولن يتحقق ذلك، من دون تجديد العقد الاجتماعي اللبناني بين مختلف المكوّنات الشعبية، خارج عباءة الطائفية والمناطقية والتحاصصية، ليكون عقدًا قائمًا على ترسيخ مفهوم المواطنة والمساواة بعيدًا من كلّ أشكال الفساد وسلطة المفسدين.

أمّا ما دون ذلك، فسيبقى الإفلاس يتصاعد والفقر يتمدد، وستبقى السلطة مع المصارف العدوّ الأول للبنانيين الذين لم تبدأ ثورتهم بعد، لأنّ الآتي أعظم!

جنى الدهيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *