لبنان بلد طائفي حتى الثمالة…

أثبتت الأحداث التي جرت الآونة الأخيرة ان الطائفية معششة في لبنان حتى النخاع وهي ليست فقط موجودة في النصوص وإنما في النفوس أيضاً، وأي حادثة ولو كانت فردية تتخذ طابعاً طائفياً كما جرى خلال مطاردة شباب من الحراك للنائب زياد أسود في مطعم في المعاملتين وتعرض أحدهما وهو وليد رعد الى الضرب لتتطور الأمور وتتخذ منحى طائفياً عندما قدم شباب طرابلسيون لنصرته، وكان الرد عليهم من قبل أنصار التيار الوطني الحر الى مناصرة وبدا المشهد بين أبناء طرابلس السنة وأبناء البترون وكسروان الموارنة، لتعقبها حادثة أخرى في البوشرية بين سائق فان شيعي وسكان مسيحيين ويتطور الأمر ويتخذ صبغة خلاف شيعي مسيحي. وليس هذا فحسب بل ان ما جرى في الجبل قبل انطلاق الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول عندما أراد الوزير السابق بوصفه رئيساً للتيار الحر زيارة الجبل وحاول الاشتراكيون منعه، وحصلت حادثة قبر شمون التي سقط فيها قتيلان من مرافقي الوزير السابق صالح الغريب المتحالف مع الوطني الحر، إضافة الى ان ما جرى خلال نزول المحتجين الى الشوارع، حيث جرت ممارسات طائفية ومذهبية لعينة، وكادت الأمور تتطور الى فتنة سنية شيعية وأخرى مسيحية درزية ومسحية سنية لولا تدارك الأمر وبات قطع الطرقات يتم من خلفيات طائفية ومذهبية، ما يؤكد ان اللبنانيين لم يتعلموا درس الحرب الأهلية وكأنهم اليوم عشية اندلاع هذه الحرب عام 1975 رغم ان الحراك الشعبي كان له وجهه الإيجابي لجهة عبوره المناطق واتلمذاهب والطوائف الى حد ما.

وعلى أي حال فأي خلاف حول أي ملف سياسي أو اقتصادي أو وظيفي أو أمني الخ يتخذ في لبنان البعد الطائفي والمذهبي لأن نظامنا طائفي من رأس الهرم حتى أخمصه ومرض الطائفية وهو علة لبنان متجذّر منذ قيام هذا الكيان عام 1920 ونظامه السياسي كان قائماً على مبدا 5و6 مكرر ليعود بعد اتفاق الطائف ويلتزم المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في النيابة والوزارة والوظائف لا بل حكم بالمثالثة الوزارية بين الموارنة والسنة والشيعة وكرّس طائفية الرئاسات الثلاث، حيث رئاسة الجمهورية للموارنة ورئاسة المجلس للشيعة ورئاسة الحكومة للسنة، وأي تهجم أو انتقاد لأي رئاسة يتحول الى تهجم وانتقاد لطائفة الشخص المعني وتقوم المتاريس السياسية ويعلو الخطاب الطائفي والمذهبي وتتأجج العصبيات والمشاعر وتتحرك الشوارع لا بل يعيش لبنان وكأنه في مزرعة تتقاسمها الطوائف والمذاهب وتفرض سيطرتها في مناطقها التي تتخذ طابعاً خاصاً بها، ويا ويل من يقرب منها أو يتحداها من الطوائف الأخرى حيث تبدو وكأنها كانتونات واقعية غير معلنة رسمياً، خاصة بعد الفرز وعمليات التهجير التي جرت في الحرب، حتى ان نقل موظف أو تأديب ضابط أو محاسبة سياسي مرتكب يتخذ البعد الطائفي والمذهبي وتقوم القيامة وتقدم له الحماية ويصبح خطاً أحمر وكل طائفة لديها خطوطها الحمراء وتضيع االمحاسبة منعاً للفتنة كما يروج. وإذا كانت الحرب الأهلية بدأت عام 1841 بين الدروز والموارنة بسبب حادث فردي وخلاف أولاد بسبب حجل، ووصلنا الى نظام القائممقاميتين ثم الى نظام المتصرفية بعد أحداث 1860 واستجلاب التدخل الأجنبي بحجة حماية الطوائف والمذاهب، فقد تكرر الأمر عند قيام دولة لبنان الكبيرعام 1920 واشتعلت بعدها الحروب من 1958 الى 1975 ووصل الأمر الى استجلاب التدخلات الخارجية القريبة والبعيدة حتى العدو الإسرائيلي لتتحول أحزابنا الى واجهات للطوائف والمذاهب وتحكم بإسمها وتكرس هذا المرض على أرض الواقع، حيث يبدو وكأن كل طائفة أو مذهب له استقلاليته ومشروعيته ضمن الدولة المركزة وله غنائمه ومدارسه وجامعاته ومحطاته التلفزيونية وأحواله الشخصية الخاصة وكل مقومات الدويلة ليصبح كل زعيم على مزبلته صياح كالديك، وفرض أمراء الطوائف سطوتهم وصار المواطن يولد وبشكل تلقائي طائفياً ويفكر طائفياً ويتصرف طائفياً ويفرح طائفياً ويحزن طائفياً ويخاف طائفياً ويتزوج طائفياً ويموت طائفياً، وبات الولاء للطائفة والمواطنة في خبر كان والموظف صار تابعاً للزعيم وليس ابن الدولة لدرجة ان أحد الوزراء تقدم بمشروع قانون لمنع بيع الأراضي بين الطوائف وبعض البلديات أصدرت قرارات تمنع لغير المسيحي ان يشتري عقاراً أو يستأجر شقة في نطاقها البلدي، فيما الناجحون في مجلس الخدمة المدنية لم يعينوا في وظائفهم بحجة عدم التوزان رغم انهم خضعوا لمباريات وفازوا فيها، ورغم ان المادة 95 من الدستور تقول صراحة ان المناصفة هي في الفئة الأولى فقط وليس في حاجب او مأمور إحراج أو موظف من الفئتين الرابعة والخامسة وما شابه.

وإذا كانت الطائفية هي سرطان لبنان، فإن الأمل بالتغيير يبقى حلماً إن لم يغير اللبنانيون من نفوسهم ونظرتهم الى لبنان الذي وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بأنه رسالة وأكبر من وطن على اعتبار ان الأديان نعمة والطائفية نقمة، كما قال الإمام المغيب موسى الصدر على أمل ان يتحقق هذا الحلم وتصبح المواطنة هي المعيار ويكون الولاء للوطن وحده حتى يتم بناء دولة الإنسان في لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *