أين أصبحت الثورة…

أبرز هذه الأسباب هي أن الثورة لم تفرز رموزا أو قيادات أو كوادر للتفاوض مع السلطة وطرح المطالب المنطقية والضغط من أجل تنفيذها، كما غاب التنسيق بين المجموعات الثورية، وتم فتح المجال أمام كثير من المشاغبين المدسوسين الذين شوهوا صورة الثورة بالاعتداءات على المؤسسات العامة وعلى المواطنين من خلال قطع الطرقات وعلى القوى الأمنية، الأمر الذي أبقى هذه الثورة عشوائية وهذا ما استغلته السلطة فشكلت حكومة محاصصة سياسية تحت قناع التكنوقراط والاختصاصيين، واستبعدت عنها الثوار الذين بدوا وكأنهم يصرخون في واد سحيق لا أحد يسمعهم، أو بالأصح لا أحد يريد سماعهم.

كثيرة هي الأسباب التي أدت الى تراجع زخم الثورة التي إنطلقت في 17 تشرين الأول الفائت وأطاحت بعد 12 يوماً بحكومة الرئيس سعد الحريري وأربكت السلطة بكاملها التي راحت تتخبط بداية في كيفية إرضاء البحر الشعبي الهادر، والتخفيف من غضبه وتأثيره.

لذلك فإن جذوة الثورة بدأت تنطفئ تدريجياً مع اقتصارها على تحركات متقطعة للتذكير بوجودها من خلال إعتصامات ومسيرات إسبوعية يقتصر المشاركون فيها على من يهمهم الأمر وعلى المصرين على التغيير، في وقت أصيب كثيرون بالإحباط من إمكانية إحداث هذا التغيير وآثروا البقاء في منازلهم بانتظار ثورة جديدة تلبي تطلعاتهم وتدفعهم الى المشاركة فيها.

لا شك في أن السلطة السياسية تعاملت مع الثورة منذ البداية بانكار كامل، وهي ما تزال تتبع نفس النهج حيث تجاوزت حضور الثوار في تشكيل الحكومة وفي القرارات التي تتخذها وفي قيادة الوطن بالرغم من الثقة المفقودة بشكل كامل بين الشعب وبينها، إلا أنها تدير أذنها الطرشاء وتحكم وتتحكم بمصير البلاد والعباد غير آبهة بحالة الرفض الأفقية لها.

قد يبدو مستغرباً، أن الثورة التي أطلقت شرارتها في 17 تشرين الأول ضريبة الستة دولارات على تطبيق الواتساب فخرج الناس الى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام، تستكين اليوم أمام دولار أميركي بلغ سعر صرفه عتبة الـ2500 ليرة لبنانية، وأمام إرتفاع مطرد في أسعار السلع والمواد الغذائية، وفي تراجع القيمة الشرائية للرواتب، وأمام أزمات الخبز والكهرباء والمحروقات، ومؤخراً فيروس الكورونا الذي ما تزال الحكومة تتخبط في مواجهته، فيما أعداد الإصابات به تزداد، ما يؤكد أن الدولة اللبنانية لم تكن جدية في إتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم وصول هذا الفيروس القاتل.

أمام هذا الواقع تكثر التساؤلات حول: لماذا تراجعت الثورة أمام كل هذه الأزمات بعدما انفجرت لمجرد ضريبة بقيمة ستة دولارات على الواتساب؟، ولماذا هذا الاستسلام في وقت بدأ الجوع يطرق أبواب اللبنانيين المهددين بودائعهم المصرفية وبوظائفهم؟، وهل للسلطة دور في إحباط المواطنين وفي استيعاب وتدجين الثورة؟، أم أن اللبنانيين فقدوا الأمل نهائياً في حصول أي تغيير بعدما وجدوا أن من أخرجوه من الباب بثورتهم عاد إليهم من الشباك عبر مدراء مكاتب ومستشارين وتابعين.

قد تكون الثورة بالغت في طرح الشعارات وقامت بتكبير الحجر لدرجة أنه بات من الصعب حمله في ظل النظام السياسي والطائفي المتحكم بالبلد، وما يثير الاستغراب أكثر فأكثر هو دخول بعض التيارات السياسية كشريك مضارب على الثورة تحت شعارات وأهداف مماثلة، بدءاً من التيار الوطني الحر الذي مارس الانفصام السياسي بوضوح، فتناسى أنه تيار السلطة، وأن رئيسه السابق هو رئيس جمهورية لبنان، ورئيسه الحالي هو رئيس أكبر كتلة نيابية ورئيس الظل والمتحكم الأول بحكومة حسان دياب، وخرج في تظاهرة ضد مصرف لبنان للمطالبة باسترداد الأموال المنهوبة، وكاد أن يقع في المحظور مع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي قاد ثورة مضادة ضد التيار البرتقالي تحت شعار: “الخط الأحمر الذي يمثله وليد جنبلاط”، وكذلك “الثورة الزرقاء” التي تخرج بين الحين والآخر نصرة لسعد الحريري في وجه جبران باسيل وتياره بعد إعلان سقوط التسوية الرئاسية، هذا بالإضافة الى الكتائب، والقوات اللبنانية التي تقود بعض المجموعات من خلف ستار.

هذا الدخول السياسي الى الثورة يضعها أمام تحديات جدية، أو أمام أزمة وجود حقيقية، خصوصاً أنها باتت مهددة بمصادرة الدور والشعارات والأهداف من قبل أحزاب السلطة التي يبدو أنها انتقلت من الدفاع الى الهجوم، فهل تستمر الثورة في تشتتها وفي ثباتها؟، أم تنفجر مجدداً على وقع الأزمات التي تضاعفت وصولاً الى تهديد اللبنانيين بالإفلاس والجوع والموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *