انتخابات نيابية مبكرة:هل يقدر لبنان عليها

“أنا مع انتخابات نيابية مبكرة”، أعلنها “السعد” في الذكرى الخامسة عشر على اغتيال والده الشهيد رفيق الحريري، وأكد أن”كتلة المستقبل سوف تتقدم باقتراح قانون جديد مثلما ورد بإتفاق الطائف”. جاء إعلانه هذا على نحو يوحي وكأنه انضم وفريقه السياسي الى صفوف الثورة سيما بعد أن سلم مقاليد الحكومة الى الرئيس حسان دياب.

لكن إعلانه هذا، جاء في إطار دراماتيكي بعض الشيء فيه نية للتشفي، حيث تحدث عن الخيانة والطعنات غامزاً من صديقه اللدود حتى الأمس القريب، رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب جبران باسيل. ولعل في حماسته الفائضة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة ميل نحو تصفية حسابه مع صديقه الذي غدره على الرغم من أنه أسهم بطريقة أو بأخرى بدخوله الى مجلس النواب حين صرخ عشية انتخابات 2018 من راس نحاش “الصوت التفضيلي سيكون لصديقي جبران باسيل”.

وقبله بأيام قليلة، كان رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي صرّح عبر حسابه على “تويتر” أن كتلته “الوسط المستقل” قد تقدمت بـ”اقتراح قانون انتخابات نيابية قائم على أساس 5 محافظات وكل ناخب يقترع ضمن قضائه مع صوتين تفضيليين مع تقصير ولاية المجلس الحالي وخفض سن الاقتراع الى سن 18″. حتى أن ميقاتي أجرى استفتاءً عبر حسابه حول تأييد إجراء انتخابات نيابية مبكرة في حزيران المقبل 2020 وقد حاز التصويت على موافقة بنسبة 72 في المئة من أصل 4082 شخصاً شاركوا بالتصويت.

وقبل هذين القطبين كان حزب “الكتائب” هو السباق في هذا المجال، حيث تقدم في 25 تشرين الأول باقتراح قانون الى مجلس النواب اللبناني بتقصير ولايته وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. ولكن جاء الإعلان يومها في إطار التحدي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي كان له خطاب في اليوم نفسه قال فيه “لا نقبل بإسقاط العهد، ولا نؤيد استقالة الحكومة، ولا نقبل الآن في هذه المعطيات والظروف بانتخابات نيابية مبكرة”. وعلى الرغم من محاولة “الكتائب” الدائمة لإثبات أنهم في صفوف المجتمع المدني إلاّ أنه لا يخفى على أحد أن النية موجودة في محاولة استعادة مقاعد انتخابية خسرها حزبهم في الانتخابات النيابية السابقة.

والحقيقة أن “إجراء انتخابات نيابية مبكرة” كان مطلباً شعبياً كرسته أصوات الناس الذين نزلوا الى ساحات الثورة في 17 تشرين الأول 2019 مطالبين بإسقاط الرؤساء الثلاثة وتغيير الطغمة الحاكمة، علماً أنه لم يمضِ وقت طويل على آخر انتخابات نيابية أجراها لبنان وفق قانون انتخابات جديد جاء بعد خلطة سياسية قلبت الأوراق وأفضت الى تحالفات عجيبة غريبة، لعل أول ما قامت به الثورة أن فضحت هشاشتها.

ففي 17/6/2017، أقرّ مجلس النواب اللبناني مشروع القانون المقدم من قبل الحكومة اللبنانية في 14 حزيران 2017، قانوناً جديداً للانتخابات النيابية يعتمد النظام النسبي ويقسم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية، إلى جانب إقرار الصوت التفضيلي. جاء ذلك بعد أن شهد لبنان تمديدين للمجلس النيابي تخللهما شلل تشريعي أصابه  لسنوات.

“تمخض الجبل فولد فأراً” تمثل بقانون انتخابات يقوم على نسبية مشوّهة، لم يخفَ على أحد أسباب الخلل في جينات هذا المولود منذ اللحظة الأولى، وتمثل ذلك “بالصوت التفضيلي” على صعيد الدائرة، فيما الغاية الأساس، كانت مراعاة قوى سياسية معينة وطوائف معينة. وعوضاً عن أن تكون هذه الانتخابات فرصة وصول وجوه جديدة  الى المجلس النيابي ظلت المعركة الانتخابية، تكريساً لنمطية صراع الأقطاب السياسية، فيما بصعوبة استطاع المجتمع المدني أن يخرق بمرشحة واحدة هي النائبة بولا يعقوبيان.

لا شك اليوم بأن هناك ظروفاً تبدلت حكماً، وما قبل ثورة 17 تشرين الأول ليس كما بعدها، فقد استعاد الشعب قراره الى حد كبير وما عاد بالإمكان اتخاذ أي قرار بمعزل عن الرأي العام السائد في البلد، ولكن يبقى السؤال: هل الصحوة الشعبية والتغيير الطارئ على الناس بإمكانه أن يترجم في صناديق الاقتراع أيضاً؟، لاسيما في ظل معطيات ثابتة أبرزها أن الثورة الى حد الآن لا زالت تتخذ طابعاً عفوياً غير محدد الأهداف والتوجهات في ظل غياب أي قيادة لها، وعليه يلحّ سؤال آخر حول مدى قدرتها على مواجهة ترسانة الأحزاب السياسية القابضة على مفاصل الدولة منذ الأزل، دون أجندة واضحة لها؟.

وفي محاولة لاستطلاع رأي الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعية حول تأييدهم لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وإن كانوا سيشاركون في العملية الانتخابية، وهل أنهم يختارون نفس الاشخاص الذين صوتوا لهم في الانتخابات النيابية الأخيرة في أيار 2018 أم سيصوتون لدم جديد.

رأت الناشطة سراء ضناوي أن المشاركة بالانتخابات “واجب وطني ويجب على جميع المواطنين الإدلاء بصوتهم” لكنها مع ذلك أبدت تخوفها من عودة نفس الطبقة الحاكمة.

أما عبد الرحمن صمدي فاعتبر أن مشاركته في الانتخاب تتوقف على القانون الانتخابي الذي سيجري التصويت على أساسه وقال: “إذا كان قانون الانتخاب معلّباً سأبقى في البيت، ولكن إذا كانت هناك فرصة للتغيير فسأشارك طبعاً وأختار من خارج الطبقة السياسية الحالية”.

وأشارت هبة المصري الى أنها “في الانتخابات السابقة “اخترتُ المجتمع المدني، وفي هذه المرة سأكرر اختياري، ولكن طبعاً بناء على برامج انتخابية واضحة”.

واعتبر جمال مرحبا بأن”الانتخابات القادمة سوف تكون أكثر الانتخابات جدية في تاريخ لبنان.. صحيح أن الثورة لم تحقق نتائج ملموسة والطبقة الحاكمة لم تسمع ولا تريد أن تسمع مطالب الناس ولكن الثورة أو الحراك الشعبي المميز الذي حدث كان كفيلاً ولأول مرة بكشف حقائق معروفة عند الجميع ولكنها كانت صرخة أرعبت اللصوص والفاسدين…”

المؤسف كان وجود تعليقات ركزت على أمل الهجرة من لبنان قبل حصول الانتخابات النيابية المقبلة سواء إن جاءت مبكرة أو في موعدها الطبيعي، وهذا ما تمنته هناء الأمين وقالت: “أنا في الانتخابات السابقة صوتُّ بالورقة البيضاء وفي حال ظل قانون الانتخابات معلباً ووفق مصالح وأهواء السلطة الحاكمة فسأكرر تصويتي بالورقة البيضاء”.

بالمحصلة فإن الواضح والثابت هو الرغبة لدى شريحة واسعة من الناس بإجراء انتخابات نيابية مبكرة وإحداث تغيير والإتيان بأشخاص نظيفي الكف ومن خارج الطبقة السياسية المعتادة، ولكن يتقاطع ذلك مع الأوضاع الاقتصادية المتصدّعة التي يعيشها لبنان حيث لم يعد البلد على شفير الانهيار وإنما بات في قلبه وفي عينه، سيما مع تراكم استحقاقات لبنان للخارج. من ناحية أخرى فإن الاصطفافات الحزبية التي تحصل بين الحين والآخر لا تبشر بالكثير. ففي كل مرة يتعرض زعيم طائفة إلى الهجوم يتكتل أبناء طائفته جميعاً خلفه.

من هنا، فإن السؤال إن كان لبنان قادراً على تحمل كلفة إجراء انتخابات نيابية مبكرة وتحمل تبعاتها السياسية مهما تكن، هو سؤال مشروع. لا شك فيما لو أجريت الانتخابات، فإن العين هذه المرة ستكون على عروس الثورة، طرابلس التي انتفض أهلها بعد سنوات من الذل والحرمان ضد كل من نصّبوا أنفسهم لعقود زعامات على الطرابلسيين، وكيف ومن سيختار أهلها وهل سيحققون التغيير الذي نزلوا الى الساحات ليطالبوا به.

تحقيق: رانيا حمزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *