الكورونا في ديارنا…لا تهلعوا…

بتاريخ 21/2/2020 أعلن رسمياً عن وصول فيروس الكورونا إلى لبنان من خلال تسجيل وزارة الصحة اللبنانية لإصابة إمرأة عائدة من منطقة “القم” في إيران، والاشتباه بحالتين لشخصين كانا على متن الطائرة نفسها التي ضمت نحو 140 راكباً، واحدة من الحالتين الأخرتين تأكدت بتاريخ 26/2/ 2020، بينما أصبح العدد المصرح عنه رسمياً 10 حالات حتى تاريخ كتابة المقال 2/3/2020، منها لأشخاص لم يكونوا على متن الطائرة.

في البداية، وقع الأمر كالصاعقة على مسامع اللبنانيين، فمع كل ما عاشه الناس في الفترة الأخيرة من حرائق إلى اندلاع الثورة فالتأكد من انهيار الليرة أمام الدولار فأزمة البنوك ومسألة سندات اليوروبوند، تأتي قضية الكورونا لتزيد الطين بلّة. فماذا يعني أن يحط هذا “الفيروس” الخطير، رحاله في لبنان مع كل ما يعانيه من هشاشة تضرب اقتصاده وقطاعه الصحي و الاستشفائي،  بينما أعظم دول العالم لم تستطع حتى الآن احتواءه؟

“لا داعي للهلع”، هذا ما قاله وزيرة الصحة حسن حمد في مؤتمر صحافي عقده بتاريخ 21/2/2020 لهذا السبب وقال:”قبل 20 الشهر لم يكن لدينا كورونا، وفي عشرين الشهر ظهرت لدينا أول حالة لمريضة وبالتالي ننطلق منذ اليوم لإجراء فحوصات إضافية إلى باقي المسافرين الذين يعانون من عوارض طبية”،وأن الفحص غير مطلوب لكل من كان على الطائرة، فقط من يشعر بأعراض معينة عليه الاتصال بالرقم الساخن 76592699 الذي وضعته وزارة الصحة لهذا السبب، وعليه يتم نقله بواسطة الصليب الأحمر الدولي إلى المستشفى وإجراء الفحوصات اللازمة وخلال مهلة 24 ساعة تصدر النتيجة. أما فيما خص المدارس وخلافها من أماكن التجمعات فرأى أن التركيز على الوعي “المجتمعي”،”على أهلنا ومجتمعنا اتخاذ كافة التدابير الحائلة إلى الوقاية من الاصابة”، وأنه “لا داعي لإعلان حالة الطوارئ، الاجراءات التي تقوم بها الوزارة كافية ووافية والمتابعة ضرورية وكل شيء يتخذ بحينه  ويتخذ القرار الصائب بناء على المعطيات الحسية المتوافرة”.

أما ركاب الطائرة فـ”عليهم حجر أنفسهم في المنزل لمدة 14 يوماً وتتابع اللجنة المتخصصة لمكافحة كورونا حالاتهم بشكل يومي”،. كما أكد أن”اللجنة الطبية لمكافحة كورونا ستعود بالتاريخ 10 أيام إلى الوراء لرصد الوافدين من إيران لمتابعة أوضاعهم الصحية”.

كلام وزير الصحة المطمئن لم يكن له الوقع نفسه على الناس الذين قلما يثقون بدولتهم وإجراءاتها، فتهافتوا على شراء الكمامات كتهافتهم على شراء الخبز عندما يعلن أصحاب الأفران عن نيتهم القيام بإضراب مفتوح. أسعار الكمامات بات خيالية وصل بعضها لدى الصيدليات الى ما يقارب الثمانية عشر الفاً للكمامة الواحدة. حتى الكمامات البسيطة التي لا تملك كل مقومات الحماية والتي كان يتراوح سعرها سابقاً بين 250 ليرة و500 ليرة بات تباع بنحو ألفي ليرة وبكميات محدودة للشخص الذي يطلبها. ليس هذا وحسب بل جرى الحديث عن عمليات تهريب للكمامات إلى خارج لبنان. وأمام هذا الجنون الحاصل علت صرخة الناس الذين يعانون أصلاً من ضائقة مالية خانقة تجعلهم أحياناً عاجزين عن شراء رغيف الخبز فكيف بتأمين ابسط سبل الوقاية ما دفع نقابة صيادلة لبنان الى إصدار بيان بتاريخ 22/2/2020 اعتبرت فيه أن “الصيدلي لا يتحمل أي مسؤولية عن فقدان الكمامات الطبية أو ارتفاع اسعارها عند بعض الوكلاء، والصيادلة يقومون بواجبهم الإنساني للحفاظ على صحة المواطن”.

في مستشفى رفيق الحريري الجامعي جهز طابق مؤلف من أربعة أجنحة يضم كل جناح 32 سريراً والطابق مجهّز بكل أدوات الوقاية للمريض والمشرفين عليه في آن. كما خصص مدخل طوارئ خاص لمرضى الكورونا ومصعد خاص للقسم المعزول.

عشر حالات كورونا مؤكدة في خلال أسبوع

وآخر تقرير للمستشفى نشرته عبر صفحتها عبر موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك بتاريخ 1-3-2020 تحدثت فيه عن”استقبال 23 حالة في قسم الطوارئ المخصص للحالات المشتبه بإصابتها بالفيروس خلال مهلة 24 ساعة. احتاج 9 منهم لدخول منطقة الحجر الصحي استناداً إلى تقييم الطبيب المراقب، فيما يلتزم الباقون الحجر المنزلي. أجريت فحوصات مخبرية ل55 حالة جاءت 52 منها سلبية و 3 حالات ايجابية.يوجد 13 حالة في منطقة الحجر الصحي حتى اللحظة، أما الحالات الايجابية فقد بلغ عددها 10 بعد أن تم تسجيل 3 حالات جديدة أدخلت بتاريخ التقرير إلى وحدة العزل لتلقي العلاج”.

هذه بالمختصر إجراءات وزارة الصحة ضمن المستشفى الوحيدة (حتى تاريخ كتابة المقال) المخصصة لاستقبال حالات الكورونا، والتي يبدو الاتكال فيها بدرجة كبيرة على الحجر المنزلي لكن من؟ وكيف؟ تتم مراقبة تطبيق هذا الحجر، وماذا سيحل بأسرة الأشخاص الملزمين بالحجر لا أحد يعرف؟ أصلاً في الاصل ما هي الضمانة بأن يلتزم هؤلاء بهذه التعليمات لا احد يعرف أيضاً؟ما هو مؤكد أنه بالمقارنة مع حجم البلد وعدد سكانه نحن أسرع بلد من حيث سرعة انتشار الفيروس طبقاً للحالات المسجلة.

وقف حركة الملاحة… وأخيراً

في مطار بيروت الإجراءات الصارمة تبدو كلام على ورق وحسب، العائدون من دول مثل تركيا وخلافها لا أحد ينظر إليهم، وفي رواية لشخص كان عائد إلى لبنان من حوالي أسبوع قال: “عندما وصلنا كانت هناك لافتة بشروط الوقاية من الكورونا بالقرب من زاوية فارغة يفترض أن يتواجد عندها شخص ليكشف علينا، لكنها فارغة وعندما حاول أحدهم التقاط الصور هجم عليه عناصر من الأمن العام واجبروه على محي الصورة بحجة أنه مكتوب على الحائط ممنوع التصوير فيما لم تتم معالجة الثغرة التي دفعت إلى هذا الأشكال والمتمثلة بغياب الشخص المعني”.

وبتاريخ 25/2/2020 نشرت سيدة عائدة من منطقة النجف فيديو لها من مطار بيروت قالت فيه:”نزلت من الطيارة وما حدا لا إجا عملنا فحص ولا سألنا فيكم شي.نص الطيارة مكرّبة وما حدا سأل ولا عملنا شي مبروك الكورونا بلبنان أكيد”.

ما يحصل في المطار أظهر أن ليس كل شيء تحت السيطرة، وبتاريخ 28/2/2020 صدر عن المكتب الإعلامي لوزارة الأشغال العامة بياناً بإيقاف حركات الملاحة جواً وبراً وبحراً بين لبنان والبلدان التي تشهد تفشياً للوباء ولكن من يضبط هذه المسألة؟ الله وحده يعلم سيما أننا لم نشهد الحديث عن أية إجراءات تتعلق بالكورونا عند حدود لبنان البرية.

إقفال المدارس

وبالحديث عن “الوعي الاجتماعي”، انتشر صور لإحدى مدارس الضاحية الجنوبية، يقوم فيها فريق متخصص بفحص التلاميذ. بالمقابل انتشر فيديوهات لتلاميذ مدارس يقومون باستبدال الكمامات فيما بينهم في خطوة أقل ما يقال عنها بأنها كارثية.

وبتاريخ 28/2/2020 اتخذت وزارة التربية والتعليم العالي قراراً بوقف الدروس في الروضات والمدارس والثانويات والمعاهد والجامعات، منذ صباح 29/2/2020 وحتى ليل الأحد 8/3/2020. تعليق الدروس هذا يؤكد أن الوضع ليس بخير، على أن تعليق الدروس يعدّ لا طائل له ما لم يترافق مع إجراءات وقائية صارمة تطبق بالمدارس والثانويات والجامعات سيما الرسمية منها التي تفتقر بأغلبها لأبسط متطلبات النظافة في حماماتها التي تفتقر حتى لصابون اليدين والمحارم الورقية.

هل وصل الكورونا إلى طرابلس؟

طرابلس لم تكن بعيدة عن كل هذه المعمعة أيضاً، فقد سرت إشاعات عن الاشتباه بحالة “كورونا” في منطقة أبي سمراء ولكن وزارة الصحة أصدرت بياناً بتاريخ 26/2/2020 افادة فيه أن: “هذا الخبر مختلق وعار عن الصحة تماماً ولا يهدف إلا لإثارة القلق والبلبلة بين المواطنين”.

كما اتخذ القرار بإغلاق العدلية في  طرابلس بتاريخ 28/2/2020 من اجل تعقيمها بعدما تم تناقل أخبار عن إصابة احد الموظفين بفيروس الكورونا بعد ان كانت ابنته في إيران.

إذاً بعد الصين، ايران، العراق،البحرين، سلطنة عمان، أفغانستان والكويت سجلت حالات جديدة في الجزائر، السويد وبرشلونة والبرازيل وفرنسا فيما أعداد المصابين في إيطاليا الى ارتفاع، وبينما تستعد منظمة الصحة العالمية الى إعلان فيروس الكورونا كوباء عالمي. بات قسم من اللبنانيين يشعر حقاً بالهلع حيث لوحظ عدد من الأشخاص يضعون الكمامات في المولات ودور السينما والسوبرماركات والطرقات. لكن بالمقابل لا تزال شريحة واسعة لا تأخذ القضية على محمل الجد.

الموضوع كما أغلب الموضوعات في لبنان أخذ باستهزاء كبير عبر صفحات التواصل الإجتماعي، حتى أنه تم تطعيمه بالنكهة اللبنانية فأخذ بعداً سياسياً وطائفياً ومذهبياً لم تغب عنه نظرية المؤامرة الكونية علينا.أما من لم تأسره الطائفية البغضاء اعتبره مخططاً لضرب الثورة والتجمعات الناجمة عنها، أو أنها احدى ألاعيب أهل الساسة في إلهاء الناس عن همومهم الحياتية.

المؤلم بالموضوع، أنه بين الإنكار والإذعان خرج من ينتقد الكمّ الهائل من النكات أمام هول المصيبة، ولكن ذلك لم يثني أحد عن السخرية والضحك. ولكن ماذا يعين أن يحول الناس مسألة خطيرة إلى نكتة؟ في الواقع إن اللبنانيون وصلوا لأقصى درجات التعب والإرهاق. في الأشهر الأخيرة تم استنزاف هذا الشعب حتى بات حاضره نار تتقد بالهم ومستقبله ضبابي، أمام ما يوجهه من مطبات وعوائق، من خسارة الكثيرين- ولو كانت مبطنة- جنى عمرهم في البنوك. كل ما ينشر أمام الناس من أخبار سواء عبر التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر الصحف. كل شيء حول هذا اللبناني بات مدعاة للحنقة والغضب والقهر والاكتئاب.

أمسى اللبناني يبحث عن سبيل للضحك في العدم، فأين سيجد الى الفرح سبيلاً؟ هل في الدكاكين التي تشتعل بأسعار بضاعة خيالية فيما مصلحة حماية المستهلكة في كوما طوعية تخضعها فيها لعبة الدولار غير المفهومة حتى الآن لكثير من الناس؟.أم في الصيدليات وأسعار الأدوية التي ترندح “نار يا حبيبي نار”؟ هل أثناء دفع الأقساط المدرسية بينما هو يقبض نصف راتب، على هيئة “خرجية” تدخله خناقة مع البنك في كل مرة أراد الحصول على حقه ؟ أين سيجد المواطن سبيله الى الضحك؟

لا يحتاج الوضع في لبنان الى استفتاء لمعرفة إن كانت هناك ثقة بإجراءات الدولة اللبنانية في مواجهة “الكورونا”، الكل واثق أنها برغم ما تدعيه من حرص ووعي للموضوع،  فإنها لا تملك أدنى مقومات الجدية في معالجة الأمر. اللبناني مدرك لواقع أن الكورونا قد يتفشى في أي لحظة، وهو يبدو في حالة استسلام لواقعه. معانته جعلته غير مهتم لقراءة الإرشادات ولا سماع المزيد من التبريرات، هو ما عاد بحاجة لبرامج ولا مقالات تفلسف وجعه هو يدرك مصابه جيداً وما عاد أمام سوى رمي النكات يمنة ويساراً عساه يشعر بشيءٍ من القوة. عسى ذلك يمنحه الحافز على التحدي. عسى ذلك يشعره برغبة بسيطة بالعيش في بلد فيه كل المقومات التي تقتل أبناءه يوماً بعد يوم دون حاجة “الكورونا”.

تحقيق: رانيا حمزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *